شرح المقدمة - كاشف الغطاء، الشيخ حسن - الصفحة ٣٣٤ - البحث الخامس والأربعون
البحث الخامس والأربعون
ينبغي للفقيه إذا حاول الأستدلال على مطلب من المطالب الفقهية أن يتخذ الأدلة الظنيّة من الأخبار وغيرها من الطرق الشرعية الظنية ذخيرة لوقت الأضطرار وفقد المندوحة ولا يبادر العمل بها لأنه غالباً غنيّ عنها بالآيات القرآنية والأخبار المتواترة المعنوية والسيرة القطعية المتلقاة خلفاً بعد سلف من زمان الحضرة النبوية والأمامية إلى يومنا هذا وليس مذهبنا أقل وضوحاً من مذهب الحنفية والشافعية والحنبلية والمالكية والزيدية والناوسيّة والواقفية والفطحية .. وغيرهم، فأنَّ لكل طائفة طريقة مستمرة يتوارثوها صاغراً بعد كابر بل أهل الملل ممن عدا المسلمين على بعد عهدهم عن أنبيائهم الماضين لهم طرائق وسير يمشون فيها على الأثر ولا يصغون إلى انكار من انكر.
فما ادري وليتني علمت أنه ما السبب وما الباعث في إنَّ بعض أصحابنا (رضوان الله عليهم) من الأخباريّن لم يزالوا ساعين في أخماد ضوء الشريعة الغرّاء وأثبات الخفاء في مذهب أئمة الهدى حتى فتحوا للأعداء أكثر الأبواب ونسبوا أكابر فقهاءنا إلى الخطأ وأبعدوهم عن الصواب وبعثوا على تجرّي الأطفال على فحول العلماء الذين لولاهم لم يعرف الحلال من الحرام وتلك مصيبة عامة نسأل الله الوقاية منها.
ويظهر من ذلك أنه ينبغي للفقيه على سبيل الندب أن يتتبع الأدلة القطعية على الحكم أوّلًا وان جاز له الأخذ بالأدلة الظنية عليه مع عدم العثور على المعارض فإذا تتبع الأدلة القطعية ووجد الظنية موافقة لها كانت نوراً على نور وان وجدها معارضة أطّرح الظن ومن القطعي ما يحصّله الفقيه من سيرة الأمامية وعلمائهم ومن فتواهم وعلمهم فانه قد يحصل له القطع بالحكم من هذه فيتمسك به ويقدّمه على سائر الأدلة ويجعله دليلًا حيث لا دليل فيظن من لا دراية له من المقتصرين على الأخبار والجامدين على ظواهرها ومناطيقها أنَّ هذا الفقيه قد أخذ عن غير دليل وسلك غير السبيل وأخذ يشنع على أهل التحقيق والنظر الرشيق.