الشرح الکبير - ابن قدامه مقدسی، عبدالرحمن بن محمد - الصفحة ٣٩٢ - فصل فيما ينظر فيه الحاكم أول مجلسه
فصل
قال الشيخ رحمه الله ( وإذا تحاكم رجلان إلى رجل يصلح للقضاء وحكماه بينهما جاز ذلك ونفذ حكمه عليهما وبهذا قال أبو حنيفة وللشافعي قولان ( أحدهما ) لا يلزمه حكمه إلا بتراضيهما لان حكمه إنما يلزم بالرضى به فلا يكون الرضى إلا بعد المعرفة بحكمه .
ولنا ما روى ابو شريح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له " إن الله هو الحكم فلم تكنى أبا الحكم ؟ " قال ان قومي إذا اختلفوا في شئ أتوني فحكمت بينهم فرضي علي الفريقان " قال ما أحسن هذا فمن أكبر ولدك ؟ " قال شريح قال " فأنت أبو شريح " أخرجه النسائي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " من حكم بين اثنين تراضيا به فلم يعدل بينهما فهو ملعون " ولولا أن حكمه يلزمهما لما لحقه هذا الذم ، ولان عمر وأبيا تحاكما إلى زيد وحاكم عمر اعرابيا إلى شريح قبل أن يوليه القضاء وتحاكم عثمان وطلحة إلى جبير بن مطعم ولم يكونوا قضاة فان قيل فعمر وعثمان كانا إمامين فإذا ردا الحكم إلى رجل صار قاضيا ؟ قلنا لم ينقل عنهما الا الرضا بتحكيمه خاصة وبهذا لا يعتبر قاضيا وما ذكروه يبطل بما إذا رضي بتصرف وكيلهفانه يلزمه قبل المعرفة به إذا ثبت هذا فانه لا يجوز نقض حكمه فيما لا ينقض فيه حكم من له ولاية ، وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة للحاكم نقضه إذا خالف رأيه ، لان هذا عقد في حق الحاكم فملك فسخه كالعقد الموقوف في حقه .
ولنا ان هذا حكم صحيح لازم فلم يجز فسخه لمخالفة رأيه كحكم من له ولاية وما ذكروه لا يصح فان حكمه لازم للخصمين فكيف يكون موقوفا ؟ ولو كان كذلك لملك فسخه وان لم يخالف رأيه ولا نسلم الوقوف في العقود إذا ثبت هذا فان لكل واحد من الخصمين الرجوع عن تحكيمه قبل شروع