تفسير جوامع الجامع - الشيخ الطبرسي - الصفحة ٣٦ - سورة البقرة
لمّا ذكر-سبحانه-إنعامه علينا بخلق السّماء و الأرض و ما فيهما، ذكر نعمته علينا بخلق أبينا آدم عليه السّلام؛ و «إِذْ» نصب بإضمار اذكر، و يجوز أن ينتصب بقالوا؛ و «جََاعِلٌ» من جعل الّذى له مفعولان، و المعنى مصيّر «فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً» ؛ و «الخليفة» : من يخلف غيره؛ و المعنى خليفة منكم، لأنّ الملائكة كانوا سكّان الأرض فخلفهم آدم فيها و ذرّيّته، و استغنى بذكر آدم عن ذكر بنيه، كما يستغنى [١] بذكر أبى القبيلة في قولك: ربيعة و مضر [٢] ؛ أو يريد [٣] من يخلفكم، أو خلقا يخلفكم فوحّد لذلك؛ و يجوز أن يريد خليفة منّى، لأنّ آدم كان خليفة اللّه في أرضه، و هو الصّحيح، لقوله: «يََا دََاوُدُ إِنََّا جَعَلْنََاكَ خَلِيفَةً فِي اَلْأَرْضِ» [٤] . «قََالُوا أَ تَجْعَلُ فِيهََا مَنْ يُفْسِدُ فِيهََا» إنّما عرفوا ذلك حتّى تعجّبوا منه من جهة اللّوح، أو عرفوه بإخبار اللّه تعالى. «وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ» الواو للحال، كما تقول [٥] : أ تحسن إلى فلان و أنا أحقّ منه بالإحسان. و التّسبيح:
تبعيد اللّه من السّوء. و «بِحَمْدِكَ» فى موضع الحال، أي نسبّح حامدين لك و متلبّسين بحمدك. «قََالَ إِنِّي أَعْلَمُ» من المصالح في ذلك ما هو خفيّ عليكم و لا تعلمونه.
و لم يبيّن لهم تلك المصالح، لأنّ العباد يكفيهم أن يعلموا أنّ أفعال اللّه-تعالى- كلّها حسنة، و إن خفى عليهم وجه الحكمة. على أنّه قد بيّن لهم بعض ذلك في قوله:
«وَ عَلَّمَ آدَمَ اَلْأَسْمََاءَ» الآية [٦] .
أي أسماء المسمّيات كلّها، فحذف المضاف إليه لكونه معلوما مدلو لا عليه بذكر الأسماء، لأنّ الاسم لا بدّ له من مسمّى، و عوّض منه اللاّم كقوله: «وَ اِشْتَعَلَ اَلرَّأْسُ شَيْباً» [٧] ؛ و ليس التّقدير و علّم آدم مسمّيات الأسماء، فيكون حذفا للمضاف، لأنّ
[١]ب و ج: تستغنى.
[٢]د (خ ل) : مضر و هاشم، مكان ربيعة و مضر.
[٣]ب و ج: أريد.
[٤]٣٨/٢٦.
[٥]هـ: يقال.
[٦]ج و د: -و علّم آدم الأسماء الاية.
[٧]١٩/٤.