تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٤٤٨ - سنه خمس و ستين و ثلاثمائة
و مضى القرمطى هاربا، و بذل لمن يأتيه بالفتكين مائه الف دينار.
و كان الفتكين يميل الى المفرج بن دغقل بن الجراح الطائي، و بتمرده لملاحته، و شاع ذلك عنه، فانهزم يطلب ساحل البحر، و معه ثلاثة من غلمانه، و به جراح، و قد جهده العطش، فلقيته سريه فيها المفرج، فلما رآه، التمس منه ماء، فسقاه، و قال له: سيرني الى اهلك، فحمله الى قريه تعرف بلبني، و احضر له ماء و فاكهة، و وكل به جماعه، و بادر الى العزيز فاخبره، فاعطاه المال الذى ضمنه، و مضى معه جوهر فتسلمه.
و تقدم بضرب مضارب، و احضر كل من حصل في الاسر من اصحاب الفتكين، فامنهم و كساهم، و جعل كل واحد منهم فيما كان فيه معه، و وصل الفتكين فاخرج العسكر لاستقباله، و هو لا يشك انه مقتول.
فلما وصل الى النوبه، و راى اصحابه مكرمين، و ترجل الناس له، و حمل الى دست قد نصب ليجلس فيه، رمى بنفسه الى الارض، و القى عمامته، و عفر و بكى بكاء شديدا، و قال: لم استحققت هذا الإبقاء! و امتنع من الجلوس في الدست.
و وافاه أمين الدولة ابو الحسن بن عمار، و جوهر و الخدم على ايديهم الثياب، و اعلموه رضا العزيز عنه، و البسوه الخلع، و تقدم الى البازيار به و اصحاب الجوارح بالمصير الى مضربه، و راسله بالركوب الى الصيد تانيسا له، و قاد اليه عده دواب، و عاد عشاء، و استقبله الفراشون و النفاطون بالمشاغل، و نزل و ركب العزيز اليه ليلا، فقبل الارض و خاطبه بما سكن منه، و جعله حاجب حجابه.
و عفا عن الحسن بن احمد القرمطى، و اقام بطبريه، و جعل له سبعين الف دينار في كل سنه، و توجه اليه جوهر، و قاضى الرملة فاستخلفاه.
و مضى الفتكين مع العزيز الى مصر، و قد استامن اليه أخو عز الدولة و ابنه، فزاد في اكرام الفتكين.
و كان يتكبر على ابى الفرج يعقوب بن يوسف بن كلس، و تدرجت الوحشة، و امرهما العزيز بالإصلاح، فلم يفعل الفتكين، فدس عليه ابو الفرج سما فقتله، و حزن عليه العزيز، و قبض على ابى الفرج، و قد اتهمه بقتله نيفا و اربعين يوما، و أخذ منه خمسمائة الف دينار، و وقفت الأمور باعتزاله الظر، فاعاده حين لم يجد منه بدا