تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٤٤٤ - سنه اربع و ستين و ثلاثمائة
الى الشعر السخيف، الذى هتك ستر تجملى، و فكرت في انك ممن لا يسامى قدره، و لا يرد امره و نهيه، و اتهمتك بانك جبلي الأخلاق، فظ العشرة، و لم آمن من الا انفق عليك، او لا تنفق أنت على، فتذهب قطعه من عمرى، و قد تنغص عيشي، فقال له ابن العميد: فكيف رأيتني؟ قال: بالضد مما اتهمتك فيه، فاجعلني في حل، فقال له: قد تساوينا، لك على مثل مالي عليك، فاننى كنت اقرا اشعارك فاظنك سخيفا، قليل المروءة، كثير العيوب، حتى شاهدتك فكنت بخلاف ذلك، فان أحللتني احللتك.
و اعتد ابن العميد على بختيار بما صنعه معه من ابعاده عضد الدولة، فعرض عليه وزارته، فقال: لا يمكنني، فاننى و اهلى في خدمه ركن الدولة، منذ خمسين سنه و هو هالك، فإذا مضى جئتك بقطعه من عسكره و كان ذلك يبلغ عضد الدولة، فحنق عليه.
و ورد ابن بقية بغداد في ذي القعده، و ملا عين ابن العميد بالهدايا، و قال في بعض الأيام: لا بد ان اخلع عليه، فلما اكل و قعدا على الشرب، أخذ ابن بقية بيده فرجيه و رداء في غاية الحسن و الجلاله، و وافى بهما الى ابن العميد، و قال: صرت يا استاذ جامدارك، فانظر هل ترضيني لخدمتك، فطرح الفرجيه عليه، فاخذ الرداء منه و لبسه.
و قصد الفتكين في ثلاثمائة غلام دمشق، و كان العيارون قد استولوا عليها، فخرج اليه اشرافها و شيوخها، و سلموها اليه، فاحسن السيرة، و قمع اهل الفساد، و قامت هيبته، و عظمت منزلته، و قصد العرب و ابعدهم، و ظهرت شجاعته، و كان اعور.
و كان ابن الشمشقيق، قد جاء في الروم، فاخذ بلاد الثغور، و صالح اهل دمشق على مال كثير، فخرج اليه الفتكين، و لعب بين يديه بالرمح، فأعجبته فروسيته، و وهب ما قرره على اهل دمشق له، فسأله ان يهدى له سلاحه، فقاد مع فرسه و سلاحه عشرين فرسا بتجافيفها، فردها ابن الشمشقيق، و لم يقبل غير فرس الفتكين و سلاحه وحده