تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٤٤١ - سنه اربع و ستين و ثلاثمائة
و حكى لي ابو الزيان صاحبه متبجحا، انه ما بقي منهم صاحبه بأرض الا سته نفر، و ما بقي من أماناته فهو أكبرها و أجلها، و هو وروده تحت الركاب لنصره ابن عمه، على زعمه.
فلما ورد على تلك الصورة، وقع التشكك فيه قبل ان يحكم أموره، و اعطاه من الايمان و العهود ما استدعى التائبين بفعله، و استجلب السكون الى ما اضمره من اغتياله و ختله، و عز الدولة ينسب الى ما يأتيه الى الجميل، و لا يستريب به في كثير و لا قليل.
فلما سكن اليه، و اعتمد في التوسط بينه و بين اوليائه عليه، و انتهز فرصته، و استلب غرته، و استولى على الأمور كأنه مالكها، و انشب مخالبه فيها، فكانه لم يزل مدبرها، و جعل أرش مسيره لمعاونته انتهاك محارمه، و تشتيت اصحابه و حرمه، و تناسى افعال معز الدولة له و لوالده منذ ثلاثين سنه، و بذله عنهما عظيم الأموال، و نفيس الاحوال، في دفع اصحاب خراسان كل دفعه، و كسر عساكر وشمكير، و الله تعالى يهلك الظالمين، و يأخذ الباغين.
و راى انه متى عاجلني ظهر تمويهه، و ثار به سائر الأولياء، و انكشف تدبيره، فاسر امرى في نفسه، و لم يتمكن من اظهاره في وقته، فأطمعته كل الأطماع في ارتفاع ما ضمنته من الأموال، و اعتمدت في أموره على من أعطاني المقدره عليها، و لجات الى كرمه فيما عود منها، حتى قفزت من بين يديه قفزه يا لهفه عليها لو أدركها، و اسفه على ما تم لي فيها، و كنت بحول الله في تدبيرى، كما قال ثابت الخزاعي:
إذا المرء لم يحتل و قد جد جده* * * اضاع و قاسى امره و هو مدبر
و لكن أخو الحزم الذى ليس نازلا* * * به الخطب الا و هو للقصد مبصر
و كانت نفسي تنازعنى تقديم ما تأخر، و تجاذبني تعجيل ما تاجل، فأجبتها بما قاله على بن محمد البصرى العلوي:
و إذا تنازعنى اقول لها اصبري* * * موتا يريحك او صعود المنبر
ما قد قضى سيكون فاصطبرى له* * * و لك الامان من الذى لم يقدر
و قد لقيت كافه جيوشه، و عامه اصحابه، و هي كعدد اهل احد كثره، بفتيان كعدد اهل بدر قله، فما زلت معهم في كل الأيام، كما قال على بن محمد أيضا:
و انا لتصبح أسيافنا* * * إذا ما انتضين ليوم سفوك