تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٣٩٠ - سنه ثمان و اربعين و ثلاثمائة
لمولانا امير المؤمنين اطال الله بقاءه جعفر بن ورقاء، ان يصحح له لمن يأمره بتصحيح ذلك عنده، عن عبد الرحمن بن عيسى مائه الف دينار، و اخذه اى وقت امره بتصحيحها، و قلت للوزير: أنفذها مع رسول عاقل ينظر ما يجرى، فعاد الخادم الذى انفذه و قال: استدعاني الخليفة حين عرض عليه الحاجب الخط، فدخلت و هو جالس على كرسي كالمغتاظ، و في يده الرقعة مخرقه، فقال: من عند مولاك؟ فقلت و لم اجسر على كذبه: جعفر بن ورقاء، فقال: قل له يا اعرابى، اردت ان ترى الناس ان نفسك تتسع، لا تغرم غمرا لا حرمه له، و هو خادمى ما ضاقت نفسي عن تركه عليه، فتظهر بذلك انك اكرم منى، و الله لا كان هذا، قل لمولاك:
اطلق عبد الرحمن، و ترد خط هذا الأعرابي الجلف، و انى اكفر عن يميني، و رمى بالرقعة مخرقه.
قال: فقلت للكرخى: كيف راى الوزير رأيي؟ و الله ما اعتمدت الا ان يقع في نفسه مثل هذا، فيفعل ما فعله لعلمي بجوده عقله و كرم نفسه، و لو جرى الأمر بخلاف ذلك لوزنت جميع ما املكه، و استسمحت الوزير و الناس بعده حتى اقوم بتصحيح المال، فاطلق ابو على الى منزله.
و في هذه السنه ورد الخبر بان الروم، خذلهم الله، أسروا محمد بن ناصر الدولة من نواحي حلب، و أسروا أبا الهيثم بن القاضى ابى حصين بن عبد الملك بن بدر ابن الهيثم و غلمانه من سواد حران، فكتب ابو فراس الى ابيه:
أيا راكبا نحو الجزيرة جسره* * * عذافره ان الحديث شجون
تحمل الى القاضى سلامي و قل له* * * الا ان قلبي مذ حزنت حزين
و ان فؤادى لافتقادى اسيره* * * لعان بأيدي الحادثات رهين
لعل زمانا بالمسره ينثني* * * و عطفه دهر باللقاء تكون
فأشكو و يشكو ما بقلبي و قلبه* * * كلانا على نجوى أخيه أمين
إذا غير البعد الهوى فهوى ابى* * * حصين منيع الفؤاد حصين