تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٢٦ - ذكر عله المكتفي بالله و ما كان من امره الى وقت وفاته
و فيها كان الفداء بين المسلمين و الروم في ذي القعده ففدى ممن كان عندهم من الرجال ثلاثة آلاف نفس.
ذكر عله المكتفي بالله و ما كان من امره الى وقت وفاته
و كان المكتفي على بن احمد يشكو عله في جوفه، و فسادا في احشائه، فاشتدت العله به في شعبان من هذا العام، و اخذه ذرب شديد افرط عليه، و أزال عقله، حتى أخذ صافى الحرمي خاتمه من يده، و انفذه الى وزيره العباس بن الحسن و هو لا يعقل شيئا من ذلك، و كان العباس يكره ان يلى الأمر عبد الله بن المعتز، و يخافه خوفا شديدا، فعمل في تصيير الخلافه الى ابى عبد الله محمد بن المعتمد على الله، فاحضره داره ليلا، و احضر القاضى محمد بن يوسف وحده، و كلمه بحضرته، و قال له:
ما لي عندك ان سقت هذا الأمر إليك؟ فقال له محمد بن المعتمد: لك عندي ما تستحقه من الجزاء و الايثار و قرب المنزله، فقال له العباس: اريد ان تحلف لي الا تخليني من احدى حالتين، اما ان تريد خدمتي فانصح لك و ابلغ جهدي في طاعتك و جمع المال لك، كما فعلته بغيرك، و اما ان تؤثر غيرى فتوقرنى و تحفظني، و لا تبسط على يدا في نفسي و مالي، و لا على احد بسببي، فقال له محمد بن المعتمد- و كان حسن العقل، جميل المذهب: لو لم تسق هذا الى ما كان لي معدل عنك في كفايتك و حسن اثرك فكيف إذا كنت السبب له، و السبيل اليه! فقال له العباس:
اريد ان تحلف لي على ذلك فقال: ان لم اوف لك بغير يمين لم اوف لك بيمين، فقال القاضى محمد بن يوسف للعباس: ارض منه بهذا، فانه اصلح من اليمين.
قال العباس: قد قنعت و رضيت ثم قال له العباس: مد يدك حتى ابايعك.
فقال له محمد: و ما فعل المكتفي؟ قال: هو في آخر امره، و اظنه، قد تلف فقال محمد: ما كان الله ليراني أمد يدي لبيعه و روح المكتفي في جسده، و لكن ان مات فعلت ذلك فقال محمد بن يوسف: الصواب ما قال، و انصرفوا على هذه الحال