تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٥٤ - ذكر البيعه لمحمد القاهر بالله
ذكر البيعه لمحمد القاهر بالله
و هو محمد بن احمد المعتضد بن طلحه الموفق بن جعفر المتوكل، و كنيه محمد القاهر ابو منصور، و كانت أمه تسمى بقبول، و بويع بالخلافة يوم الخميس لليلتين بقيتا من شوال سنه عشرين و ثلاثمائة، و هو ابن خمس و ثلاثين سنه، و ذلك انه لما احضر من دار عبد الله بن طاهر التي كان فيها مع اولاد الخلفاء، و دار بينه و بين مؤنس المظفر ما تقدم ذكره من الشروط، و تم الأمر بينهم، انحدروا به الى دار الخلافه، في اليوم المؤرخ، فلما دخلها دعا بحصير فصلى اربع ركعات، و جلس على سرير الملك.
و لقب القاهر بالله.
و حضر عبيد الله بن محمد الكلواذى فاستخلفه على الوزارة لمحمد بن على بن مقله إذ كان غائبا بفارس و امر بان تكتب الكتب الى العمال باسم ابن مقله، و ولى الحجابه على بن يلبق، و لم يمكنه الحضور لجراح كانت به، فخلف على الحجابه بدر الخرشنى، و قلد احمد بن خاقان شرطه الجانبين.
و لما كان يوم الاثنين لليلتين خلتا من ذي القعده، بعث القاهر في اولاد المتوكل على الله و غيرهم من أبناء الخلفاء و أبناء ابنائهم، فاوصلهم اليه و استدناهم، و امرهم بالجلوس، و أخذ عليهم الكلواذى البيعه، و خاطبه هارون بن عبد العزيز بن المعتمد بعد ان صافحه و هناه و دعا له، فقال: قد نالت يا امير المؤمنين اهلك جفوه اضرت بهم و اثرت في أحوالهم، و ليس يسألون اقطاعا و رد ضيعه، و أحوالهم تصلح بادرار أرزاقهم، فقال: انا آمر بادرارها، و لا اقنع لكم بها، و قد كان يتصل بي من امركم ما يغمنى، فشكرته العامه على هذا القول، و تكلم منهم ابو عبد الله محمد بن المنتصر و دعوا له جميعا.
ثم ان القاهر اظهر في أول قعوده في الخلافه من الجد و بعد الهمه و الاختصار و القناعه ما هابه به الناس، و اراد قطع ثوب يلبسه، فحمل اليه من داره، فقيل له:
لو اخذلك ثوب من خزانه الكسوة، فقال: لا تمسوا لهم شيئا، و عرضت عليه صنوف