تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٢٩ - كتاب على بن مقله الى القواد و العمال
و بلغ محمد بن ياقوت صاحب الشرطه الخبر، فحرص على نفاذه، و اغرى الفرسان بالعزم فيه، و سفر في الأمر و احكمه، و أومى اليهم الوزير بوجه الرأي فيه، و دبره من حيث لا يظن به، إذ علم ما في نفس الخليفة عليهم من الغيظ لقبيح ما كانوا يحدثونه عليه فوثب الغلمان الحجريه يوم الأربعاء لثمان ليال بقين من المحرم بالرجاله المصافيه و طردوهم عن المصاف، و رشقوهم بالنشاب، فانصرفوا منهزمين، و اخرج ابن ياقوت صاحب شرطه بغداد غلمانا كثيرا في طيارات و تقدم اليهم الا يتركوا رجلا يعبر من جانب الى جانب الا قتلوه، و لا ملاحا يجيز احدهم الا رموه بالنشاب، و اخافوه و منعوا من عبور الجسر، و الح عليهم بالطلب، و نودى فيهم الا يبقى ببغداد منهم احد، و اعانت عليهم العامه، و انطلقت فيهم الأيدي، فلم يجتمع منهم اثنان، و حظر عليهم الا يخرجوا الى الكوفه و البصره و الاهواز، فتخطفوا في كل وجه و اميحوا بكل مكان، فهل ترى لهم من باقيه، و قصد الفرسان مع العامه الى الموضع الذى كان فيه مستقر السودان بباب عمار، فنهبوهم و احرقوا منازلهم، فطلبوا الامان، و سألوا الصفح، فرفع عنهم القتل و حبس منهم الوجوه و اسقطت عنهم الجرايات.
كتاب على بن مقله الى القواد و العمال
و كتب الوزير محمد بن على بن مقله فيهم نسخه انفذت الى القواد و العمال و هي:
بسم الله الرحمن الرحيم: قد جرى اعزك الله من امر الرجاله المصافيه بالحضرة ما قد اتصل بك، و عرفت جملته و تفصيله و جهته و سبيله، و قد خار الله عز و جل لسيدنا امير المؤمنين و للناس بعده بما تهيأ من قمعهم و ردعهم، خيره ظاهره متصله بالكفاية الشامله التامة بمن الله و فضله، و لم ير سيدنا ايده الله استصلاح احد من هذه العصبة الا السودان فإنهم كانوا اخف جناية، و ايسر جريره، فراى اعلى الله رايه اقرارهم على أرزاقهم القديمه، و تصفيتهم بالعرض على المحنة لعلمه ان العساكر لا بد لها من رجاله و امر اعلى الله امره، ان يستخدم بحضرته من تؤمن بائقته و تخف مؤنته، و ترجى استقامته