تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١١٨ - ذكر القبض على على بن عيسى الوزير و ولايه محمد بن على بن مقله الوزارة
و اجرى الأمور احسن مجاريها، و امر الا يطالب احد بمصادره و لا غرم، و لا يعرض لصنائع احد، حتى اقر احمد بن جانى على ما كان يتقلده من ديوان اقطاع الوزراء، و اجلس ابراهيم بن أيوب النصراني كاتب على بن عيسى بين يديه على رسمه، و اقره على ديوان الجهبذه، و ضمن امر الرجاله المصافيه الملازمين لدار الخليفة، و قد بلغت نوبتهم عشرين و مائه الف دينار في كل هلال فاستبشر الناس به، و سكنوا اليه، و أمنوا و انفسحت آمالهم، و اتسعت هممهم، و تباشروا بأيامه ثم خلع في غره جمادى الاولى على ابى القاسم و ابى الحسين و ابى الحسن بنى ابى على محمد بن على الوزير لتقلد الدواوين، ثم خلع على محمد بن على بعد ذلك لتكنيه امير المؤمنين اياه.
قال الصولي: و لا اعلم انه ولى الوزارة احد بعد عبيد الله بن يحيى بن خاقان مدح من الاشعار باكثر مما مدح به محمد بن على قبل الوزارة، و في الوزارة، و بعد ذلك لشهرته في الشعر، و علمه به و اثابته عليه و ظهر من ذكاء ابنه ابى الحسين و استقلاله بالأعمال، و تصرفه في الآداب و حسن بلاغته و خطه ما تواصفه الناس، و كان اكثر ذلك في وزارته الثانيه، حين انفجر عليه الشباب، و زالت الطفوله عنه قال: و ما رأينا وزيرا مذ توفى القاسم بن عبيد الله احسن حركه و لا اظرف اشاره و لا اصلح خطا، و لا اكثر حفظا، و لا اسلط قلما، و لا اقصد بلاغه، و لا آخذ بقلوب الخلفاء من محمد بن على و له بعد هذا كله علم بالاعراب و حفظ باللغة و شعر مليح و توقيعات حسان و ولى الوزير ابنه أبا القاسم ديوان زمام القواد مكان عبيد الله بن محمد، و قلد ابنه أبا عيسى ديوان الضياع المقبوضة عن أم موسى و الموروثه عن الخدم، و اقر إسحاق بن اسماعيل على ما كان ضامنا له من اعمال واسط، و غير ذلك.
و في هذه السنه رجع القرمطى الى الكوفه، فخرج اليه نصر الحاجب محتسبا و انفق من ماله مائه الف دينار الى ما اعطاه السلطان، و اعانه به و اجتهد في لقاء القرمطى و نصحه الجيش الذين كانوا معه، و حسنت نياتهم في محاربه القرمطى.
فاعتل نصر في الطريق، و مات في شهر رمضان، فحمل الى بغداد في تابوت و ولى الحجابه مكانه ابو الفوارس ياقوت مولى المعتضد، و هو إذ ذاك امير فارس، فاستخلف له ابنه ابو الفتوح الى ان يوافى ياقوت.