الكوثر في أحوال فاطمة بنت النبي الأعظم(ع) - الموسوي، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٢٢ - ٢- بكاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على انتهاك حرمة فاطمة
أراك تجود بنفسك يا بقيّة جدّي و أبي و إخوتي؟
فقلت: و كيف لا أجزع و لا أهلع؟ و قد أرى سيّدي و إخوتي و عمومتي و ولد عمّي و أهلي مصرّعين بدمائهم، مرمّلين بالعراء، مسلّبين لا يكفنون و لا يوارون، و لا يعرّج عليهم أحد، و لا يقربهم بشر، كأنّهم أهل بيت من الديلم و الخزر.
فقالت: لا يجزعنّك ما ترى، فو اللّه؛ إنّ ذلك لعهد من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى جدّك و أبيك و عمّك، و لقد أخذ اللّه ميثاق اناس من هذه الامّة لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض، و هم معروفون في أهل السماوات، أنّهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرّقة، فيوارونها، و هذه الجسوم المضرّجة، و ينصبون لهذا الطفّ علما لقبر أبيك سيّد الشهداء (عليه السلام)، لا يدرس أثره، و لا يعفو رسمه على كرور الليالي و الأيّام.
و ليجتهدنّ أئمّة الكفر و أشياع الضلالة في محوه و تطميسه، فلا يزداد أثره إلّا ظهورا، و أمره إلّا علوّا.
فقلت: و ما هذا العهد؟ و ما هذا الخبر؟
فقالت: حدّثتني امّ أيمن: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله زار منزل فاطمة (عليها السلام) في يوم من الأيّام، فعملت له حريرة صلّى اللّه عليهما، و أتاه عليّ (عليه السلام) بطبق فيه تمر.
ثمّ قالت امّ أيمن: فأتيتهم بعسّ فيه لبن و زبد، فأكل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام) من تلك الحريرة، و شرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و شربوا من ذلك اللبن، ثمّ أكل و أكلوا من ذلك التمر و الزبد.
ثمّ غسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يده و عليّ (عليه السلام) يصبّ عليه الماء، فلمّا فرغ من غسل يده مسح وجهه.
ثمّ نظر إلى عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام) نظرا عرفنا فيه السرور في وجهه، ثمّ رمق بطرفه نحو السماء مليّا، ثمّ وجّه وجهه نحو القبلة و بسط يديه و دعا، ثمّ خرّ ساجدا و هو ينشج، فأطال النشوج، و علا نحيبه و كأنّها صوب المطر.