كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٧١٨ - فائدة
بإرادة العليم الحكيم، و خالفهم فيه جمهور المتكلمين بناء على ما تقرّر عندهم من نفي المجرّدات على الإطلاق عقولا كانت أو نفوسا.
و احتج المثبتون للتجرّد عقلا بوجوه منها أنّها تعقل المفهوم الكلّي فتكون مجرّدة لأنّ النفس إذا كانت ذا وضع كان المعنى الكلّي حالا في ذي وضع، و الحال في ذي الوضع يختص بمقدار مخصوص و وضع معيّن ثابتين لمحلّه فلا يكون ذلك الحال مطابقا لكثيرين مختلفين بالمقدار و الوضع، بل لا يكون مطابقا إلّا لما له ذلك المقدار و الوضع فلا يكون كلّيّا، هذا خلف و ردّ بأنّا لا نسلّم أنّ عاقل الكلّي محلّ له لابتنائه على الوجود الذهني، و أيضا الحال فيما له مقدار و شكل و وضع معيّن لا يلزم أن يكون متصفا به لجواز أن لا يكون الحلول سريانيا.
و أمّا نقلا فمن وجوه أيضا. الأول قوله تعالى وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ [١] الآية، و لا شكّ أنّ البدن ميت فالحيّ شيء آخر مغاير له هو النفس. و الثاني قوله تعالى النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَ عَشِيًّا [٢] و المعروض عليها ليس البدن الميّت فإنّ تعذيب الجماد محال. و الثالث قوله تعالى: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ [٣] الآية، و البدن الميت غير راجع و لا مخاطب. و الرابع قوله عليه السلام: (إذا حمل الميت على نعشه يرفرف روحه فوق النعش و يقول يا أهلي و يا ولدي لا تلعبنّ بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال من حلّه و من غير حلّه ثم تركته لغيري) [٤] الحديث، فالمرفرف غير المرفرف فوقه. و الجواب أنّ الأدلة تدلّ على المغايرة بينها و بين البدن لا على تجرّدها. و احتج النافون للتجرّد أيضا بوجوه. منها أنّ المشار إليه بأنا و هو معنى النفس يوصف بأوصاف الجسم فكيف تكون مجرّدة. و إن شئت التوضيح فارجع إلى شرح المواقف و شرح التجريد و غيرهما. ثم المنكرون للتجرّد اختلفوا في النفس الناطقة على أقوال سبقت في لفظ الروح و لفظ الإنسان و لفظ السّر.
اعلم أنّ صاحب الإنسان الكامل قال:
النفس في اصطلاح الصوفية خمسة أضرب حيوانية و أمّارة و ملهمة و لوّامة و مطمئنّة و كلّها أسماء الروح إذ ليس حقيقة النفس إلّا الروح و ليس حقيقة الروح إلّا الحق فافهم. فالنفس الحيوانية تسمّى بالروح باعتبار تدبيرها للبدن فقط. و أمّا الفلسفيون فالنفس الحيوانية عندهم هو الدم الجاري في العروق و ليس هذا بمذهبنا.
ثم النفس الأمّارة تسمّى بها باعتبار ما يأتيها من المقتضيات الطبيعية الشهوانية للانهماك في اللذات الحيوانية و عدم المبالاة بالأوامر و النواهي. ثم النفس الملهمة تسمّى بها لاعتبار ما يلهمها اللّه من الخير، فكلّ ما تفعله من الخير هو بالإلهام الإلهي، و كلّ ما تفعله من الشّر هو بالاقتضاء الطبيعي و ذلك الاقتضاء منها بمثابة الأمر لها بالفعل، فكأنّها هي الأمّارة لنفسها يفعل تلك المقتضيات فلذا سمّيت أمّارة، و للإلهام الإلهي سمّيت ملهمة. ثم النفس اللّوّامة سمّيت بها لاعتبار أخذها في الرجوع و الإقلاع فكأنّها تلوم نفسها عن الخوض في تلك المهالك و لذا سمّيت لوّامة. ثم النفس المطمئنّة سمّيت بها لاعتبار سكونها إلى الحقّ و اطمئنانها به و ذلك إذا قطع الأفعال المذمومة و الخواطر المذمومة مطلقا، فإنّه متى لم ينقطع
[١] آل عمران/ ١٦٩
[٢] غافر/ ٤٦
[٣] الفجر/ ٢٧- ٢٨
[٤] لم نعثر على نص هذا الحديث في كتب الصحاح و الاسانيد كما لم نجد نصا قريبا من معناه.