كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٧٠٦ - فائدة
غير التفات إلى مطابقته و عدّ مطابقته سيّما عند من يقول بإصابة كلّ مجتهد، و لذا يثاب المجتهد المخطئ فلا يرد أنّ الظّنّ الغير المطابق جهل، فيلزم أن يكون الجهل مطلوبا و هو ممتنع إذ لا يلزم من طلب الأعمّ الذي هو الظّنّ مطلقا طلب الأخصّ الذي هو الظّنّ الغير المطابق، فلا يلزم طلب الجهل. و هذا التعريف يتناول النظر في التصوّر و في التصديق لأنّ التصوّر مندرج في العلم، و كذا التصديق اليقيني مندرج فيه، فيتناول القطعي باعتبار مادته و صورته كالنّظر القياسي البرهاني و الظّنّي من حيث المادة كالنّظر القياسي الخطابي، و من حيث الصورة كالاستقراء و التمثيل، و كذا يتناول النّظر الصحيح و الفاسد.
اعلم أنّ للنظر تعريفات بحسب المذاهب.
فمن يرون أنّه اكتساب المجهول بالمعلومات السّابقة و هم أرباب التعاليم القائلون بالتعليم و التعلّم يقولون إنّ النّظر ترتيب أمور معلومة للتأدّي إلى مجهول، و بعبارة أخرى ترتيب علوم الخ، إذ العلم و المعلوم متحدان و الترتيب فعل اختياري لا بدّ له من علّة غائية، فالباعث على ذلك الفعل التأدّي إلى المجهول يقينا أو ظنّا أو احتمالا فهو الفكر، فخرج عنه المقدّمة الواحدة لأنّ الترتيب فيها ليس للتأدّي بل لتحصيل المقدّمة، و كذا خرج أجزاء النظر و ترتيب الطرفين و النسبة الحكمية أو بعضها في القضية لتحصيل الوقوع و اللاوقوع المجهول، و كذا خرج التنبيهات، و كذا خرج الحدس لأنّه سنوح المبادئ المرتّبة دفعة من غير اختيار، سواء كان بعد طلب أو لا، و أيضا ليس له غاية لعدم الاختيار فيه، و دخل فيه ترتيب المقدّمات المشكوكة المناسبة بوجود غرض التأدّي احتمالا، و كذا التعليم لأنّه فكر بمعونة الغير و كذا الحدّ و الرسم الكاملان إلّا أنّ الأول موصل إلى الكنه و الثاني إلى الوجه، لكنه يخرج عنه التعريف بالفصل و الخاصّة وحدهما، و كون كلّ منهما قليلا ناقصا كما قاله ابن سينا لا يشفي العليل لأنّ الحدّ إنما هو لمطلق النّظر فيجب أن يندرج فيه جميع أفراده التامة و الناقصة قلّ استعمالها أو كثر. و لهذا غيّر البعض هذا التعريف فقال هو تحصيل أمر أو ترتيب أمور للتأدّي إلى المجهول، و كذا دخل فيه قياسا المساواة و الاستلزام بواسطة عكس النقيض و إن أخرجوهما عن القياس لعدم اللزوم لذاته، و كذا النّظر في الدليل الثاني لأنّ المقصود منه العلم بوجه دلالته و هو مجهول. و إنّما قيل للتأدّي و لم يقل بحيث يؤدّي ليشتمل النّظر الفاسد صورة أو مادة فيشتمل المغالطات المصادفة للبديهيات كالتشكيك المذكور في نفس اللزوم و نحوه لأنّ الغرض منها التصديق للأحكام الكاذبة و إن لم يحصل ذلك، و غيّر البعض هذا التعريف لما مر فقال النّظر ملاحظة العقل ما هو حاصل عنده لتحصيل غيره، و المراد بالعقل النفس لأنّ الملاحظة فعلها و أنّ المجرّدات علمها حضوري لا حصولي، و المتبادر من الملاحظة ما يكون بقصد و اختيار فخرج الحدس ثم الملاحظة لأجل تحصيل الغير تقتضي أن يكون ذلك لتحصيل غاية مترتّبة عليه في الجملة فلا يرد النقض بالملاحظة التي عند الحركة الأولى و الثانية إذ لا يترتّب عليه التحصيل أصلا، بل إنّما يترتّب على الملاحظة التي هي من ابتداء الحركة الأولى إلى انتهاء الحركة الثانية. نعم يترتّب على الملاحظة بالحركة الأولى في التعريف بالمفرد و هي فرد منه فتدبّر فظهر شمول هذا التعريف أيضا لجميع الأقسام. و أمّا من يرى أنّ النّظر مجرّد التوجّه إلى المطلوب الإدراكي بناء على أنّ المبدأ عام الفيض متى توجهنا إلى المطلوب أفاضه علينا من غير أن يكون لنا في ذلك استعانة بمعلومات، فمنهم من جعله عدميا فقال هو تجريد الذهن عن الغفلات