كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٦٢٥ - فائدة
تؤدّي معنى واحدا، و كذا ما قيل هو خارج يتوقّف عليه صحة الكلام شرعا أو عقلا أو صدقه، و يجيء توضيح هذا في لفظ المنطوق.
و هذه التعريفات على رأي من لا يفرّق بين المقتضى و بين المحذوف و المضمر و هو مذهب عامّة الحنفية و جميع أصحاب الشافعي و جميع المعتزلة. ثم اختلفوا فذهب بعضهم إلى القول بجواز العموم في الأقسام الثلاثة أي ما أضمر في الكلام لتصحيحه شرعا أو عقلا أو لضرورة صدق المتكلّم و هو مذهب الشافعي، و بعضهم إلى القول بعدم جوازه في جميعها و هو مذهب القاضي الإمام، و خالفهم فخر الإسلام و شمس الأئمة و صدر الإسلام و صاحب الميزان في ذلك فأطلقوا اسم المقتضى على ما أضمر لصحة الكلام شرعا فقط و جعلوا ما وراءه قسما واحدا و سمّوه محذوفا أو مضمرا و قالوا بجواز العموم في المحذوف دون المقتضى إلّا أبا اليسر فإنّه لم يعمل بعموم المحذوف أيضا، و لذا عرّفوا المقتضى بأنّه زيادة ثبت شرطا لصحة المنصوص عليه شرعا. و قولهم شرطا حال من المستكنّ في ثبت و بهذا الاعتبار جاز تذكيره مع كونه عائدا إلى الزيادة. و قولهم شرعا احتراز عن المضمر و المحذوف سواء قلنا بترادفهما أو قلنا بأنّ المضمر ما له أثر في الكلام نحو وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ [١]، و المحذوف ما لا أثر له مثل قوله تعالى وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ [٢] أي أهلها كما هو مذهب بعض الأصوليين. و حاصل الفرق أنّ المحذوف أمر لغوي أي ثابت لغة كالفاعل و المصدر و ما حذف من الكلام اختصارا و أعطي إعرابه الذي أقيم مقامه، و المقتضى أمر شرعي أي ثابت شرعا كالمكان و الزمان و المفعول به لأنّها فضلة. و قيل المقتضي ما لم يكن ثابتا لغة سواء كان ثابتا شرعا أو ضرورة. و قيل لا يفرّق العقل بين الكلّ، فالفرق بجعل بعضها شرعيا و بعضها لغويا مشكل. و قيل إنّ المقتضي و المقتضى كلاهما مرادان في الاقتضاء كما في قولك اعتق عبدك عنّي بألف درهم فإنّ الإعتاق و التمليك كلاهما مرادان للمتكلّم، و في المحذوف المراد هو المحذوف دون المصرّح.
و بالجملة فالمحذوف في حكم المقدّر لا يخلو عن العبارة و الإشارة و الدلالة، و الاقتضاء ليس قسما خارجا عن الأربعة. و قيل ليس من شرط المحذوف انحطاط رتبته عن المظهر لأنّه ليس تابعا له فإن الأهل ليس يتبع للقرية و شرط في المقتضى ذلك لأنّه تبع. و قيل إنّ المحذوف مفهوم بغير إثباته المنطوق و المقتضى مفهوم لا يغير إثباته المنطوق. و فيه أنّه إن أريد بوجه الفرق بين المحذوف و المقتضى وجود التغير في المحذوف و عدمه في المقتضى فلا تغيّر في مثل قوله تعالى فَانْفَجَرَتْ [٣] أي فضربه فانفجرت، و قوله تعالى حكاية عن فَأَرْسِلُونِ، يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ [٤] أي أرسلوه فأتاه و قال له يا يوسف أيها الصّديق، و مثل هذا كثير في المحذوف.
و إن أريد أنّ عدم التغيّر لازم في المقتضى دون المحذوف لم يتميّز المحذوف الذي لا تغيّر فيه عن المقتضى. و أجيب باختيار الشّقّ الأول أنّ الإتيان من قبيل المقتضى دون المحذوف نصّ عليه العلّامة النسفي. و قيل إنّ دلالة اللفظ على المحذوف من باب دلالة اللفظ على اللفظ و دلالة اللفظ على المقتضى من باب دلالة اللفظ على المعنى، فالمحذوف هو اللفظ و المقتضى هو المعنى. و قال الفاضل الشريف: الفرق
[١] يس/ ٣٩
[٢] يوسف/ ٨٢
[٣] البقرة/ ٦٠
[٤] يوسف/ ٤٥- ٤٦