كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٤١١ - فائدة
الملفوظ كالخلق بمعنى المخلوق إلى ما يتلفّظ به الإنسان حقيقة كان أو حكما مهملا كان أو موضوعا مفردا كان أو مركّبا. فاللفظ الحقيقي كزيد و ضرب و الحكمي كالمنوي في زيد ضرب إذ ليس من مقولة الحرف و الصوت الذي هو أعمّ منه و لم يوضع له لفظ و إنّما عبّروا عنه باستعارة لفظ المنفصل من نحو هو و أنت و أجروا أحكام اللفظ عليه فكان لفظا حكما لا حقيقة، و المحذوف لفظ حقيقة لأنّه قد يتلفّظ به الإنسان في بعض الأحيان. و تحقيقه أنّه لا شك أنّ ضرب في زيد ضرب يدلّ على الفاعل، و لذا يفيد التقوي بسبب تكرار الإسناد بخلاف ضرب زيد فلا يقال إنّ فاعله هو المقدّم كما ذهب إليه البعض و منعوا وجوب تأخير الفاعل، فإمّا أن يقال الدال على الفاعل الفعل بنفسه من غير اعتبار أمر آخر معه و هو ظاهر البطلان و إلّا لكان الفعل فقط مفيدا لمعنى الجملة فلا يرتبط بالفاعل في نحو ضرب زيد، فلا بد أن يقال إنّ الواضع اعتبر مع الفعل حين عدم ذكر الظاهر أمرا آخر عبارة عمّا تقدّم كالجزء و التتمة له و اكتفى بذكر الفعل عن ذكره كما في الترخيم بجعل ما بقي دليلا على ما ألقي نصّ عليه الرّضي، فيكون كالملفوظ. و لذا قال بعض النحاة إنّ المقدّر في نحو ضرب ينبغي أن يكون أقلّ من ألف ضربا نصفه أو ثلثه ليكون ضمير المفرد أقل من ضمير التثنية. و لمّا لم يتعلّق غرض الواضع في إفادة ما قصده من اعتباره بتعيينه لم يعتبره بخصوصية كونه حرفا أو حركة أو هيئة من هيآت الكلمة بل اعتبره من حيث إنّه عبارة عمّا تقدّم و كالجزء له فلم يكن داخلا في شيء من المقولات و لا يكون من قبيل المحذوف اللازم حذفه لأنّه معتبر بخصوصه، و بما ذكر ظهر دخوله في تعريف الضمير المتصل لكونه لفظا حكميا موضوعا لغائب تقدّم ذكره و كالجزء مما قبله بحيث لا يصحّ التلفظ الحكمي إلّا بما قبله. قال صاحب الإيضاح في الفرق بين المنوي و المحذوف إنّه لمّا كان باب المفعول باعتبار مفعوليته حكمه الحذف من غير تقدير قيل عند عدم التلفّظ به محذوف في كلّ موضع. و لمّا كان الفاعل باعتبار فاعليته حكمه الوجود عند عدم التلفّظ به حكم بأنّه موجود و إلّا فالضمير في قولك زيد ضرب في الاحتياج إليه كالضمير في قوله تعالى: وَ لَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ [١] و إن كان أحدهما فاعلا و الآخر مفعولا انتهى. فقيل مراده إنّ الفرق بينهما مجرّد اصطلاح و إلّا فهما متساويان في كونهما محذوفين من اللفظ معتبرين في المعنى و ليس كذلك، بل مراده أنّ عند عدم التلفّظ بالفاعل يحكم بوجوده و يجعل في حكم الملفوظ لدلالة الفعل عليه عند تقدّم المرجع فهو معتبر في الكلام دالّ عليه الفعل فيكون منويا بخلاف المحذوف فإنّه حذف من الكلام استغناء بالقرينة من غير جعله في حكم الملفوظ و اعتبار اتصاله بما قبله فيكون محذوفا غير منوي، و إن كانا مشتركين في احتياج صحّة الكلام إلى اعتبارهما. هذا ثم اعلم أنّ قيد الإنسان في التعريف للتقريب إلى الفهم و إلّا فالمراد مطلق التلفّظ بمعنى گفتن، فدخل في التعريف كلمات اللّه تعالى و كذا كلمات الملائكة و الجنّ، و اندفع ما قيل إنّ أخذ التلفّظ في الحدّ يوجب الدور.
و الباء في قولنا به للتعدية لا للسببية و الاستعانة فلا يرد أنّ الحدّ صادق على اللسان. ثم الحروف الهجائية نوع من أنواع اللّفظ، و لذا عرّفه البعض كما يتلفّظ به الإنسان من حرف فصاعدا، و لا يصدق التعريف على الحروف الإعرابية كالواو في أبوك لأنّها في حكم الحركات نائبة منابها. و قيل اللفظ صوت يعتمد على المخارج من حرف فصاعدا. و المراد
[١] فصلت/ ٣١.