كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٣٧٩ - التقسيم
يكون هو بعينه مشتركا بين أمور متعدّدة. نعم الطبيعة الحيوانية إذا حصلت في الذهن عرض لها نسبة واحدة متشابهة إلى أمور كثيرة بها يحملها العقل على واحد واحد منها، فهذا العارض هو الكلّية و نسبة الحيوان إليه نسبة الثوب إلى الأبيض، فكما أنّ الثوب له معنى و الأبيض له معنى آخر فكذلك الحيوان كما عرفت. فالمفهوم الذي يصدق عليه مفهوم الكلّي سمّي كلّيا طبيعيا لأنّه طبيعة ما من الطبائع، و مفهوم الكلّي العارض له يسمّى كلّيا منطقيا لأنّ المنطقي إنّما يبحث عنه و المجموع المركّب من المعروض و العارض يسمّى كلّيا عقليا لعدم تحقّقه إلّا في الذهن و العقل. و إنّما قلنا الحيوان مثلا لأنّ هذه الاعتبارات الثلاثة لا تختص بالحيوان بل تعمّ سائر الطبائع و مفهومات الكلّيات الخمس، فنقول مفهوم الكلّي من حيث هو كلّي طبيعي و الكلي العارض للمحمول عليه منطقي و المجموع المركّب منهما عقلي، و على هذا فقس الجنس الطبيعي و المنطقي و العقلي و النوع الطبيعي و المنطقي و العقلي إلى غير ذلك.
و هاهنا بحث و هو أنّ الحيوان من حيث هو لو كان كلّيا طبيعيا لكان كلّيته بطبيعة فيلزم كون الأشخاص كلّيات، و أيضا الكلّي الطبيعي إن أريد به طبيعة من الطبائع فلا امتياز بين الطبيعيات، و إن أريد به الطبيعة من حيث إنها معروضة للكلّية فلا يكون الحيوان من حيث هو كلّيا طبيعيا بل لا بدّ من قيد العروض، فالكلّي الطبعي هو الحيوان لا باعتبار الطبيعة بل من حيث إذا حصل في العقل صلح لأن يكون مقولا على كثيرين، و قد نصّ عليه الشيخ في الشفاء. و الفرق حينئذ بين الطبيعي و العقلي أنّ هذا العارض في العقلي معتبر بحسب الجزئية و في الطبيعي بحسب العروض، فالتحقيق أنّا إذا قلنا الحيوان مثلا كلّي أن يكون هناك أربع مفهومات: طبيعة الحيوان من حيث هي هي و مفهوم الكلّي و الحيوان من حيث إنّه يعرض له الكلّية و المجموع المركّب منهما، فالحيوان من حيث هو هو ليس بأحد الكلّيات و هو الذي يعطي ما تحته حدّه و اسمه.
اعلم أنّ الكلّي المنطقي من المعقولات الثانية و من ثمّ لم يذهب أحد إلى وجوده في الخارج، و إذا لم يكن المنطقي موجودا لم يكن العقلي موجودا بقي الطبيعي اختلف فيه.
فمذهب المحقّقين و منهم الشيخ أنّه موجود في الخارج بعين وجود الأفراد فالوجود واحد بالذات و الموجود اثنان و هو عارض لهما من حيث الوحدة. و من ذهب إلى عدمية التعيّن قال بمحسوسيته أيضا، و هو الحقّ. و ذهب شرذمة من المتكلّمين و المتفلسفين إلى أنّ الموجود هو الهوية البسيطة و الكلّيات منتزعات عقلية كما في السلّم ثم الكلّي الطبيعي الموجود في الخارج لا يخلو إمّا أن يعتبر في وجوده العيني و هو الكلّي مع الكثرة أو في وجوده العلمي، و لا يخلو إمّا أن يكون وجوده العلمي من الجزئيات و هو الكلّي بعد الكثرة أو وجود الجزئيات منه، و هو الكلّي قبل الكثرة، و فسّر الكلّي قبل الكثرة بالصورة المعقولة في المبدأ الفيّاض و يسمّى علما فعليا كمن تعقّل شيئا من الأمور الصناعية ثم يجعله مصنوعا. قال الشيخ: لمّا كان نسبة جميع الأمور الموجودة إلى اللّه تعالى و إلى الملائكة نسبة المصنوعات التي عندنا إلى النفس الصانعة، كان علم اللّه و الملائكة بها موجودا قبل الكثرة، و فسّر الكلّي مع الكثرة بالطبيعة الموجودة في ضمن الجزئيّات لا بمعنى أنّها جزء لها في الخارج كما يتبادر من العبارة، إذ ليس في الخارج شيء واحد عام بل إنّها جزء لها في العقل متّحدة الوجود معها في الخارج، و لهذا أمكن حملها عليها، و فسّر الكلّي بعد الكثرة بالصورة المنتزعة عن الجزئيات المشخّصات كمن رأى أشخاص الناس و استثبت