كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٢٨٦ - فائدة
الغنية عن الفكر بالكلّية. بيان ذلك أنّ أول مراتب الإنسان في إدراك ما ليس له حاصلا من النظريات درجة التعلّم، و حينئذ لا فكر له بنفسه، بل إنّما يفكر المتعلّم حين التعلّم بمعونة المعلّم، و في هذا خلاف السّيّد السّند، فإنّ عنده لا فكر للمتعلّم، ثم يترقّى إلى أن يعلم بعض الأشياء بفكره بلا معونة معلّم، و يتدرّج في ذلك أي يترقّى درجة درجة في هذه المرتبة إلى أن يصير الكلّ فكريّا أي يصير كلما يمكن أن يحصل له من النظريات فكريا أي بحيث يقدر على تحصيله بفكره بلا معونة معلّم، ثم يظهر له بعض الأشياء بالحدس و يتكثّر ذلك على التدريج إلى أن يصير الأشياء كلها حدسية، و هي مرتبة القوة القدسية، و معناه أنّه لو لم يكن بعض الأشياء حاصلة بالفكر فهو يعلمه الآن بالحدس.
فإن قيل في تأخّر هذه المرتبة نظر إذ لا يتوقّف صيرورة الأشياء حدسيا على صيرورة الكلّ فكريا. قلت: ليس معنى صيرورة الكلّ فكريا كون الكلّ حاصلا بالفكر بل التمكّن منه كما عرفت، و لا يراد بالتمكّن الاستعداد القريب بالنسبة إلى الجميع الذي يحصل بحصول مبادئ الجميع بالفعل و لا الاستعداد البعيد الذي حصل للعقل الهيولاني، بل الاستعداد القريب و لو بالنسبة إلى البعض. و لا خفاء في تأخّر هذه المرتبة عنه و إن كان لا يخلو عن نوع تكلّف.
ثم المراد بالقوة القدسية القوة المنسوبة إلى القدس و هو التنزّه هنا عن الرذائل الإنسانية و التعلّقات انتهى.
قال الحكماء هذه القوة القدسية لو وجدت لكان صاحبها نبيا أو حكيما إلهيا، فظهر أنّ الاختلاف في الكيف مختصّ بالفكر و الاختلاف في الكم يعمّهما، هكذا يستفاد من شرح الطوالع و شرح المطالع و حواشيه في تقسيم العلم إلى الضروري و النظري.
قال الصوفية الفكر محتد الملائكة سوى إسرافيل و جبرائيل و عزرائيل و ميكائيل عليهم السلام من محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم.
اعلم أنّ الدقيقة الفكرية أحد مفاتيح الغيب الذي لا يعلم حقيقتها إلّا اللّه، فإنّ مفاتيح الغيب نوعان: نوع حقّي و نوع خلقي. فالنوع الحقّي هو حقيقة الأسماء و الصفات و النوع الخلقي هو معرفة تراكيب الجوهر الفرد من الذات أعني ذات الإنسان المقابل بوجوهه وجود الرحمن و الفكر أحد تلك الوجوه. بلا ريب فهو مفتاح من مفاتيح الغيب، لكنه أبّن ذلك النور الوضاح الذي يستدلّ به إلى أخذ هذا المفتاح، فتفكر في خلق السموات و الأرض لا فيهما، فإذا أخذ الإنسان في الترقّي إلى صور الفكر و بلغ حدّ سماء هذا الأمر أنزل الصور الروحانية إلى عالم الإحساس و استخرج الأمور الكتمانية على غير قياس، و عرج إلى السموات و خاطب أملاكها على اختلاف اللغات. و هذا العروج نوعان. فنوع على صراط الرحمن، من عرج على هذا الصراط المستقيم إلى أن بلغ من الفكر نقطة مركزه العظيم، و جال في سطح خطه القويم ظفر بالتجلّي المصون بالدّرّ المكنون في الكتاب المكنون الذي لا يمسّه إلّا المطهرون، و ذلك اسم أدغم بين الكاف و النون مسماه إنّما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، و سلّم المعراج إلى هذه الدقيقة هي من الشريعة و الحقيقة و أمّا النوع الآخر فهو السّحر الأحمر المودع في الخيال و التصوير المستور في الحقّ بحجب الباطل، و التزوير هو معراج الخسران و صراط الشيطان إلى مستوى الخذلان كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، فينقلب النور نارا و القرار بوارا، فإن أخذ اللّه يده و أخرجه بلطفه بما أيّده جاز منه إلى المعراج الثاني فوجد اللّه تعالى عنده، فعلم مأوى الحقّ و مآبه، و تميّز في مقعد الصدق عن الطريق الباطل و من يذهب ذهابه، و أحكم الأمر