كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٢٢٣ - فائدة
بها إخراجا لإدراك الحواس الباطنة فإنّه إدراك المعاني الجزئية و يسمّى ذلك الإدراك تخيّلا و توهّما. فالعلم عنده بمعنى التعقّل، و بقوله لا يحتمل النقيض أي لا يحتمل ذلك الشيء المتعلّق نقيض ذلك التمييز بوجه من الوجوه خرج الظّنّ و الشكّ و الوهم لأنّها توجب لمحلّها تمييزا يحتمل النقيض في الحال، و كذا الجهل المركّب و التقليد فإنّهما يوجبان تمييزا يحتمل النقيض في المآل. أمّا في الجهل فلأنّ الواقع يخالفه فيجوز أن يطلع عليه، و أمّا في التقليد فلعدم استناده إلى موجب من حسّ أو بديهة أو عادة أو برهان، فيجوز أن يزول بتقليد آخر.
قيل فيه أنّ إخراج الشكّ و الوهم من التعريف مما لا يعرف وجهه لأنّ كلاهما تصوّران على ما بيّن في موضعه، و التصوّر داخل في التعريف بناء على أن لا نقيض للتصوّر أصلا و سيجيء تحقيقه في لفظ النقيض فلا وجه لإخراجه، بل لا وجه لصحته أصلا. قلت الشكّ و الوهم من حيث إنّه تصوّر للنسبة من حيث هي هي لا نقيض له، و هما بهذا الاعتبار داخلان في العلم. و أمّا باعتبار أنّه يلاحظ في كلّ منهما النسبة مع كلّ واحد من النفي و الإثبات على سبيل تجويز المساوي و المرجوح. و لذا يحصل التردّد و الاضطراب فله نقيض، فإنّ النسبة من حيث يتعلّق بها الإثبات تناقضها من حيث يتعلّق بها النفي، و هما بهذين الاعتبارين خارجان عن العلم صرّح بهذين الاعتبارين السيّد السّند في حاشية العضدي. ثم إن كان المعرّف شاملا لعلم الواجب و غيره يجب أن يراد بالإيجاب أعمّ سواء كان بطريق السببية كما في علم الواجب أو بطريق العادة كما في علم الخلق، و إن كان المعرّف علم الخلق يجب تخصيصه بالإيجاب العادي على ما هو المذهب من استناد جميع الممكنات إلى اللّه تعالى ابتداء، فالمعنى أنّ العلم صفة قائمة بالنفس يخلق اللّه تعالى عقيب تعلّقها بالشيء أن يكون النفس. مميزا له تمييزا لا يحتمل النقيض. فعلى هذا الضمير في لا يحتمل راجع إلى المتعلّق الدال عليه لفظ التمييز فإنّ التمييز لا يكون إلّا بشيء. فعدم الاحتمال صفة لمتعلّقه و إنّما لم يكن راجعا إلى نفس التمييز لأنّه إن كان المراد به المعنى المصدري أعني كون النفس مميزا فلا نقيض له أصلا لا في التصوّر و لا في التصديق، و إن كان ما به التمييز أعني الصورة في التصوّر و النفي و الإثبات في التصديق فلا معنى لاحتماله نقيض نفسه إذ الواقع لا يكون إلّا أحدهما مع مخالفته لما اشتهر من أنّ اعتقاد الشيء كذا، مع العلم بأنّه لا يكون إلّا كذا علم و مع الاحتمال بأنّه لا يكون كذا ظنّ، فإنّه صريح في أنّ المتعلّق أعني الشيء محتمل، ثم المتعلّق للصورة الماهية و للنفي و الإثبات الطرفان. ثم المراد بالنقيض إمّا نقيض المتعلّق كما قيل و حينئذ المراد بالتمييز إمّا المعنى المصدري، فالمعنى صفة توجب لمحلّها أن يكشف لمتعلقها بحيث لا يحتمل المتعلّق نقيضه، و حينئذ يكون الصفة نفس الصورة و النفي و الإثبات لا ما يوجبها أو ما به التمييز، و حينئذ تكون الصفة ما يوجبها. و لا يخفى ما فيه لأنّ الشيء لا يكون محتملا لنقيضه أصلا من الصورة و النفي و الإثبات كما مرّ، إذ الواقع لا يكون إلّا أحدهما فلا وجه لذكره أصلا، إلّا أن يقال المتعلّق و إن لم يكن محتملا لنقيضه في نفس الأمر لكن يحتمله عند المدرك بأن يحصل كلّ منهما بذلك الآخر، و هذا غير ظاهر. و إمّا نقيض التمييز كما هو التحقيق كما قيل أيضا و حينئذ إمّا أن يراد بالتمييز المعنى المصدري و هو حاصل التحرير الذي سبق و هذا أيضا بالنظر إلى الظاهر لأنّ التمييز بالمعنى المصدري ليس له نقيض يحتمله المتعلّق أصلا، و إمّا ما به التمييز و هذا هو التحقيق الحقيقي.
فخلاصة التعريف أنّ العلم أمر قائم بالنفس