كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١١١٦ - فائدة
العلوم الضرورية بأسرها لأنّها تنفك بطريان أضداد العلم من النوم و الغفلة و بفقد مقتضيه كالحسّ و الوجدان و التواتر و التجربة و توجّه العقل. فإن قلت الانفكاك مقدورا كان أو غير مقدور ينافي اللزوم المذكور في التعريف فالايراد باق بحاله. قلت المراد باللزوم معناه اللغوي و هو الثبوت مطلقا، ثم قيّده بكون الانفكاك عنه غير مقدور. فآخر كلامه تفسير لأوله.
و تلخيص التعريف ما قيل من أنّ الضروري هو ما لا يكون تحصيله مقدورا للمخلوق، و لا شكّ أنّه إذا لم يكن تحصيله مقدورا لم يكن الانفكاك عنه مقدورا و بالعكس، لأنّه لا معنى للقدرة إلّا التمكّن من الطرفين، فإذا كان التحصيل مقدورا يكون تركه الذي هو الانفكاك مقدورا و كذا العكس، أي إذا كان الانفكاك مقدورا يكون تركه الذي هو التحصيل مقدورا فمؤدّى العبارتين واحد. فمن الضروريات المحسوسات بالحواس الظاهرة فإنّها لا تحصل بمجرّد الإحساس المقدور لنا، و إلّا لما عرض الغلط بل يتوقّف على أمور غير مقدورة لا نعلم ما هي، و متى حصلت و كيف حصلت، بخلاف النظريات فإنّها تحصل بمجرّد النظر المقدور لنا، فإنّ حصولها دائر على النظر وجودا و عدما فتكون مقدورة لنا إذ لا معنى لمقدورية العلم إلّا مقدورية طريقه، و ذا لا ينافي توقّفها على تصوّر الأطراف فتدبّر، فإنّه زلت فيه الأقدام. و منها المحسوسات بالحواس الباطنة كعلم الإنسان بألمه و لذته. و منها العلم بالأمور العادية. و منها العلم بالأمور التي لا سبب لها و لا يجد الإنسان نفسه خالية عنها، كعلمنا بأنّ النفي و الإثبات لا يجتمعان و لا يرتفعان.
فإن قلت أ ليس ذلك العلم حاصلا لنا بمجرّد الالتفات المقدور لنا فيكون مقدورا.
قلت الالتفات قدر مشترك بين جميع العلوم فليس ذلك سببا لحصوله بل لخصوصية الأطراف مدخل فيه. و معنى كون مجرّد الالتفات كافيا فيه أنّه لا احتياج فيه إلى سبب آخر لأنّه سبب تام، و النظري هو العلم المقدور تحصيله بالقدرة الحادثة. و القيد الأخير لإخراج العلم الضروري لأنّه مقدور التحصيل فينا بالقدرة القديمة. و قال القاضي أبو بكر: و أمّا النظري فهو ما يتضمنه النظر الصحيح. قال الآمدي: معنى تضمّنه له أنّهما بحال لو قدر انتفاء الآفات و أضداد العلم لم ينفك النظر الصحيح عنه بلا إيجاب كما هو مذهب البعض، و لا توليد كما هو مذهب البعض الآخر، فإنّ مذهب القاضي أنّ حصوله عقيب النظر بطريق العادة حال كون عدم انفكاك النظر عنه مختصا حصولا بالنظر، فخرج العلم بالعلم بالشيء الحاصل عقيب النظر فإنّه غير منفكّ عن العلم بالشيء عند القاضي، و العلم بالشيء عقيب النظر لا ينفكّ عن النظر، لكنّه لا يكون له اختصاص بالنظر لكونه تابعا للعلم بالشيء، سواء كان العلم بالشيء حاصلا بالنظر أو بدونه. و لا يخفى أنّ تضمّن الشيء للشيء على وجه الكمال إنّما يكون إذا كان كذلك فلا يرد أنّ دلالة التضمّن على القيدين خفية. فمن يرى أنّ الكسب لا يمكن إلّا بالنظر لأنّه لا طريق لنا إلى العلم مقدور سواه فإنّ الإلهام و التعليم لكونهما فعل الغير غير مقدورين لنا، و كذلك التصفية إذ المراد منه أن يكون مقدورا للكلّ أو الأكثر، و التصفية ليس مقدورا إلّا بالنسبة إلى الأقل الذي يفي مزاجه بالمجاهدات الشاقة. فالنظري و الكسبي عنده متلازمان فإنّ كلّ علم مقدور لنا يتضمنه النظر الصحيح، و كلّ ما يتضمنه النظر الصحى فهو مقدور لنا. و من يرى جواز الكسب بغير النظر بناء على جواز طريق آخر مقدور لنا و إن لم نطلع عليه جعله أخصّ بحسب المفهوم من الكسبي لكنه أي النظري يلازم الكسبي عادة بالاتفاق من