كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٧٦١ - حرف الواو (و)
المتساويين على الآخر، فإذا لم يكن هناك طرفان متساويان، فأي حاجة إلى العلّة. و لهذا قال بعض المحقّقين صفات الواجب تعالى لا تكون آثارا له و إنّما يمتنع عدمها لكونها من لوازم الذات. و توضيح ما قلنا هو أنّ مراتب الوجود في الموجودية بحسب التقسيم العقلي ثلاث لا مزيد عليها، أدناها الموجود بالغير أي الذي يوجده غيره، فهذا الموجود له ذات و وجود مغاير له و موجد مغاير لهما، فإذا نظر إلى ذاته مع قطع النظر عن موجده أمكن في نفس الأمر انفكاك الوجود عنه، و لا شكّ أنّه يمكن تصوّر انفكاكه عنه أيضا. فالتصوّر و المتصوّر كلاهما ممكن، و هذا حال الماهيات الممكنة كما هو المشهور. و أوسطها الموجود بالذات بوجود هو غيره أي الذي يقتضي ذاته وجوده اقتضاء تاما يستحيل معه انفكاك الوجود عنه فهذا الموجود له ذات و وجود مغاير له فيمتنع انفكاك الوجود عنه بالنّظر إلى ذاته، لكن يمكن تصوّر هذا الانفكاك فالمتصوّر محال و التصوّر ممكن، و هذا حال الواجب تعالى عند جمهور المتكلّمين. و أعلاها الموجود بالذات بوجود هو عينه أي الذي وجوده عين الذات فهذا الموجود ليس له وجود مغاير للذات فلا يمكن تصوّر انفكاك الوجود عنه بل الانفكاك و تصوّره كلاهما محال، و هذا حال الواجب تعالى عند جمهور الحكماء. و هذه المراتب مثل مراتب المضيء كما سبقت في محله. قال الصادق الحلواني في حاشية الطيبي: وجوب الوجود عند الحكماء استغناؤه تعالى في الموجودية في الخارج عن غيره. و عند المتكلّمين اقتضاء ذاته وجوده اقتضاء تاما. و من هاهنا تسمعهم يقولون في الواجب تارة هو ما يستغني في موجوديته عن غيره و أخرى هو ما يقتضي ذاته وجوده اقتضاء تاما، و قد يفسّر بما يكون وجوده ضروريا بالنظر إلى ذاته انتهى.
و مآل التفسير الثالث مع الثاني واحد كما لا يخفى.
اعلم أنّ هذه الثلاثة قد تؤخذ بحسب الذات كما عرفت و القسمة أي قسمة كيفية نسبة المحمول إلى الموضوع إلى هذه الثلاثة حينئذ قسمة حقيقية حاصرة بأن يقال نسبة كلّ محمول سواء كان وجودا أو غيره إلى موضوعه، سواء كانت النسبة إيجابية أو سلبية لا يخلو ذات الموضوع إمّا أن يقتضي تلك النسبة أو لا، و على الثاني إمّا أن يقتضي نقيض تلك النسبة أو لا، و الأول هو الوجوب و الثاني هو الامتناع و الثالث هو الإمكان، و لا يمكن انقلاب أحد هذه الثلاثة بالآخر بأن يزول أحدهما عن الذات و يتّصف الذات بالآخر مكانه، فيصير الواجب بالذات ممكنا بالذات و بالعكس لأنّ ما بالذات لا يزول، و قد يؤخذ الوجوب و الامتناع بحسب الغير إذ لا ممكن بالغير فالوجوب بالغير هو الذي للذات باعتبار غيره، و هكذا الامتناع بالغير و حينئذ القسمة مانعة الجمع لاستحالة اجتماع الوجود و العدم في ذات دون الخلوّ لانتفائهما عن كلّ من الواجب و الممتنع بالذات، و يمكن انقلابهما إذ الواجب بالغير قد يعدم علّته فيصير ممتنعا بالغير، و كذا الممتنع بالغير قد يوجد علّته فيصير واجبا بالغير فالوجوب شامل للذاتي و الغيري، و كذا الامتناع و الوجوب بالغير و الامتناع بالغير إنّما يعرضان للممكن بالذات، و أمّا الواجب بالذات فيمتنع عروض الوجوب بالغير له و إلّا لتوارد علّتان مستقلتان أعني الذات و الغير على معلول واحد شخصي هو وجوب ذلك الوجوب، و كذا عروض الامتناع بالغير له و إلّا لكان موجودا و معدوما في حالة، و على هذا القياس الممتنع بالذات. و التحقيق أنّه إن أريد بالإمكان بالغير أن لا يقتضي الغير وجود الماهية و لا عدمها كما أنّ الوجوب بالغير أن يقتضي الغير وجوبها و الامتناع بالغير أن يقتضي