كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٧٦٠ - حرف الواو (و)
الحصّة إنّما هو لخفاء الطبيعة. نعم لو عرف الوجوب بالمعنى الآتي مثلا بالإمكان و الامتناع بهذا المعنى لم يلزم الدور. و قد تطلق على المعاني التي هي منشأ لانتزاع المعاني المصدرية، و الظاهر أنّ تصوّراتها نظرية، و لذا اختلف في ثبوتها و اعتباريتها، و الظاهر أنّ المبحوث عنها في فنّ الكلام هذه المفهومات بمعنى مصداق الحمل و المبحوث عنها في المنطق بالمعاني المصدرية، و المشهور أنّ المبحوث عنها في فنّ الكلام هي التي جهات القضايا في المنطق، لكن في قضايا مخصوصة محمولاتها وجود الشيء في نفسه، فإنّه إذا أطلق المتكلّمون الواجب و الممكن و الممتنع أرادوا بها الواجب الوجود و الممكن الوجود و الممتنع الوجود. ثم الوجوب أي بمعنى مصداق الحمل و منشأ الانتزاع يقال على الواجب باعتبار ما له من الخواص لا بالمعنى المصدري، فإنّه إذا كان الوجوب مقولا على الواجب و محمولا عليه باعتبار هذه الخواص فهذه الخواص منشأ لانتزاعه و مصداق لحمله. الأولى استغناء في وجوده عن الغير و قد يعبّر عنها بعدم احتياجه أو بعدم توقّفه فيه على غيره. و الثانية كون ذاته مقتضية لوجوده اقتضاء تاما. و الثالثة الشيء الذي به يمتاز الذات عن الغير فالمعنيان الأوّلان أمران نسبيان بتاء على أنّ المراد منهما كون وجود الواجب عين ذاته، إلّا أنّ الأول منهما عدمي و الثاني ثبوتي. ثم النظر الدقيق يحكم بأنّ كلاهما أمران ثبوتيان لرجوعهما إلى نحو وجود الواجب و خصوصية ذاته فالخاصة الثالثة كما أنّها غير الذات بحسب المفهوم و عينها بحسب ما هو المراد منها كذلك الأولى و الثانية إلّا أن يبنى ذلك على مذهب المتكلّمين، و يحمل العينية على حمل المواطأة مطلقا، و بهذا التقرير اندفع ما قيل الخاصة الثانية لا تصدق عليه تعالى على مذهب الحكماء القائلين بغيبة الوجود، هذا هو المستفاد من كلام مرزا زاهد في حاشية شرح المواقف، و هذا تحقيق تفرّد به. و المستفاد من كلام مولانا عبد الحكيم أنّ الوجوب الذي يقال على الواجب باعتبار تلك الخواص هو الوجوب بالمعنى المصدري يعنى أنّ الوجوب بالمعنى الضروري كيفية نسبة الوجود فهو صفة للنسبة و لا يوصف به ذاته تعالى و إلّا لكان وصفا بحال متعلّقه، بل إنّما يوصف به باعتبار استعماله في أحد تلك المعاني التي تختصّ بذاته تعالى لكون هذه المفهومات لازمة لذلك المعنى الذي هو صفة للنسبة، إمّا بطريق المجاز أو الاشتراك و إطلاق الوجوب على المعنيين الأوّلين ظاهر.
و أمّا إطلاقه على الثالث فإمّا بتأويل الواجب أو إرادة مبدأ الوجوب إذ ليس الوجوب بالمعنى الثالث قائما بذاته تعالى حتى يوصف بما يشتقّ منه، بل هو محمول عليه مواطأة، فلا بدّ من أحد التأويلين، و على التأويلين يكون الوجوب عبارة عن كون الشيء بحيث يمتاز عن غيره، و هذه الخواص متغايرة مفهوما لكنها متلازمة، إذ متى كان ذاته كافيا في اقتضاء وجوده لم يحتج في وجوده إلى غيره و بالعكس، و متى وجد أحد هذين الأمرين وجد ما به يتميّز الذات عن الغير و بالعكس. قال شارح التجريد ما حاصله إنّ الوجوب بالمعنى الأول أي بمعنى الاستغناء عن الغير صفة للوجود و بالمعنى الثاني أي بمعنى اقتضاء الذات للوجود صفة للذات بالقياس إلى الوجود و هو لا يتصوّر إلّا في ذات مغايرة للوجود، فهو عند الحكماء القائلين بعينية الوجود ليس بمتحقّق إذ الشيء لا يقتضي نفسه، و معنى ذلك الاقتضاء عدم انفكاك الوجود عن الذات، لا أن يكون هناك اقتضاء و تأثير فإنّ ذات البارئ لمّا وجب اتصافه بالوجود و لم يجز أن لا يتصف به لم يكن هناك علّة بها يصير متصفا بالوجود إذ شأن العلّة ترجيح أحد