كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٦٩٩ - فائدة
يكون غيره هو المقصود فهي ظنّية كما في إيجاب الكفّارة على المفطر بالأكل و الشرب.
فإنّ قول السائل واقعت أهلي في نهار رمضان وقع عن الجناية التي هي معنى المواقعة في هذا الوقت لا عن الوقاع فإنّه ليس بجناية في نفسه، و الجواب و هو قوله عليه الصلاة و السلام (اعتق رقبة) [١] الخ وقع عن حكم الجناية فأثبتنا الحكم بالمعنى و هو في هذين أي الأكل و الشرب أظهر إذ الشوق إليهما أعظم. و لمّا توقّف ثبوت الحكم من الدلالة على معرفة المعنى و لا بدّ في معرفته من نوع نظر ظنّ بعض الحنفية و بعض أصحاب الشافعي و غيرهم أنّ الدلالة قياس جلي، فقالوا لمّا توقّف على ما ذكرنا و قد وجد أصل كالتأفيف مثلا و فرع كالضرب و علّة مؤثرة كالأذى يكون قياسا، إلّا أنّه لما كان ظاهرا سمّيناه جليا و ليس على مذهب الجمهور كما ظنّوا، لأنّ الأصل في القياس الشرعي لا يكون جزءا من الفرع إجماعا. و هاهنا قد يكون كما لو قال السّيّد لعبده لا تعط زيدا ذرة فإنّه يدلّ على منع إعطاء ما فوق الذرة مع أنّ الذرة جزء منه و لأنّ دلالة النّصّ ثابتة قبل شرع القياس فإنّ كلّ أحد يعرف و يفهم من لا تقل لهما أفّ لا تضربه و لا تشتمه سواء علم شرعية القياس أو لا، فعلم أنّها من الدلالات القطعية و ليس بقياس.
فقولهم لا اجتهادا و لا استنباطا إشارة إلى نفي كونها قياسا. و بعضهم عرّف الدلالة بأنّها فهم غير المنطوق من المنطوق بسياق الكلام و مقصوده. و قيل هي الجمع بين المنصوص و غير المنصوص بالمعنى اللغوي. و أمّا دلالة الاقتضاء فهي دلالة اللفظ على معنى خارج يتوقّف عليه صدقه أو صحته الشرعية أو العقلية، و قد سبق، و يجيء في لفظ المنطوق أيضا.
اعلم أنّ المفهوم مما سبق أنّ دلالة الإشارة التزام لا غير، و قيل دلالة الإشارة إمّا تضمّن أو التزام كما سبق. قال صدر الشريعة في التوضيح: العبارة و الإشارة كلاهما دلالة اللفظ على المعنى مطابقة أو تضمنا أو التزاما، و إنّما الفرق بالسوق و عدمه، و أراد بالسوق ما أريد منه في النّصّ. و قال إنّ المعنى الذي يدلّ عليه اللفظ إمّا أن يكون عين الموضوع له أو جزءه أو لازمه المتأخر، أو لا يكون كذلك، و الأول إمّا أن يكون سوق الكلام له فتسمّى دلالته عليه عبارة أو لا، فإشارة. و الثاني إن كان المعنى لازما متقدّما للموضوع له فالدلالة اقتضاء و إلّا فإن كان يوجد في ذلك المعنى علّة يفهم كلّ من يعرف اللغة أي وضع ذلك اللفظ لمعناه أنّ الحكم في المنطوق لأجلها، فدلالة النّصّ و إلّا فلا دلالة أصلا، و التمسك بمثله فاسد. و إنّما جعلوا اللازم المتأخّر عبارة أو إشارة و اللازم المتقدّم اقتضاء لأنّ دلالة الملزوم على اللازم المتأخّر كالعلة على المعلول أقوى من دلالته على اللازم الغير المتأخّر كالمعلول على العلة، فإنّ الأولى مطّردة دون الثانية إذ لا دلالة للمعلول على العلّة إلّا أن يكون معلولا مساويا لأنّ النّصّ المثبت للعلّة مثبت للمعلول تبعا لها، و أمّا المثبت للمعلول فغير مثبت للعلّة التي هي أصل بالنسبة إلى المعلول فيحسن أن يقال إنّ المعلول ثابت بعبارة النّصّ المثبت للعلّة، و لا يحسن أن يقال إنّ العلّة ثابتة بعبارة النّصّ المثبت للمعلول. إن قيل إنّ الثابت بدلالة النّصّ إذا لم يكن عين الموضوع له و لا جزؤه و لا لازما له فدلالة اللفظ عليه، و ثبوته به ممنوعة للقطع بانحصار دلالة اللفظ في الثلاث.
قلت اللازم المنقسم إلى المتقدّم و المتأخّر هو اللازم لا بواسطة علّة الحكم فلا ينافيه كون الثابت بالدلالة أيضا لازما، لكن بواسطتها.
[١] صحيح البخاري، كتاب النفقات، باب نفقة المعسر على أهله، ح ١٠٣، ٧/ ١١٨.