كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٤٣٩ - فائدة
و قال الطيبي [١]: المراد بالمحكم ما اتّضح معناه و المتشابه بخلافه لأنّ اللفظ الموضوع لمعنى إما أن يحتمل غير ذلك المعنى أولا، و الثاني النّص، و الأول إمّا أن تكون دلالته على ذلك الغير أرجح أولا، و الأول هو الظاهر، و الثاني إمّا أن تكون مساوية أولا، و الأول المجمل، و الثاني المأوّل. فالقدر المشترك بين النّصّ و الظاهر هو المحكم و بين المجمل و المأوّل هو المتشابه. و علم المتشابه مختصّ باللّه، فالوقف على قوله تعالى إِلَّا اللَّهُ تام.
و قال بعضهم العقل مبتلى باعتقاد حقّية المتشابه كابتلاء البدن بأداء العبادة كالحكيم إذا صنّف كتابا أجمل فيه أحيانا ليكون موضع خضوع المتعلّم للاستاذ.
و قال الإمام الرازي اللفظ إذا كان محتملا لمعنيين و كان بالنسبة إلى أحدهما راجحا و بالنسبة إلى الآخر مرجوحا، فإن حملناه على الراجح فهذا هو المتشابه، فنقول صرف اللفظ عن الراجح إلى المرجوح لا بدّ فيه من دليل منفصل، و هو إمّا لفظي أو عقلي، و الأول لا يمكن اعتباره في المسائل الأصولية الاعتقادية القطعية لتوقّفه على انتفاء الاحتمالات العشرة المعروفة، و انتفاؤها مظنون و الموقوف على المظنون مظنون، و الظّنّي لا يكتفى [به في الأصول] [٢]، و إنّما العقلي يفيد صرف اللفظ عن الظاهر لكون الظاهر محالا. و أمّا إثبات المعنى المراد [٣] فلا يمكن بالعقل لأنّ طريق ذلك ترجيح مجاز على مجاز و تأويل على تأويل، و ذلك الترجيح لا يمكن إلّا بالدليل اللفظي، و الدليل اللفظي في الترجيح ضعيف لا يفيد إلّا الظّنّ، و لذا اختار الأئمة المحقّقون من السلف و الخلف أنّ بعد إقامة الدليل القاطع على أنّ حمل اللفظ على ظاهره محال لا يجوز الخوض في تعيين التأويل و قال الخطابي [٤] المتشابه على ضربين الأول ما إذا ردّ إلى المحكم و اعتبر به عرف معناه و الآخر ما لا سبيل إلى معرفة حقيقته و هو الذي يتبعه أهل الزيغ.
و قال الراغب الآيات ثلاثة أضرب: محكم على الإطلاق، و متشابه على الاطلاق، و محكم من وجه متشابه من وجه. فالمتشابه بالجملة ثلاثة أضرب: متشابه من جهة اللفظ فقط و هو ضربان: أحدهما يرجع إلى الألفاظ المفردة إمّا من جهة الغرابة نحو يزفون أو الاشتراك كاليد و الوجه، و ثانيهما يرجع إلى الكلام المركّب و ذلك ثلاثة أضرب: ضرب لاختصار الكلام نحو وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ [٥] و ضرب لبسطه نحو لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [٦] لأنّه لو قيل ليس مثله شيء كان أظهر للسامع، و ضرب لنظم الكلام نحو الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً [٧] إذ تقديره أنزل على عبده الكتاب قيّما و لم يجعل له عوجا، و متشابه من جهة المعنى فقط و هو أوصاف اللّه تعالى و أوصاف القيامة، فإنّ تلك الصفات لا تتصوّر لنا إذ لا تحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسّه، و متشابه من جهتهما أي من جهة اللفظ و المعنى و هو خمسة أضرب: الأول من جهة الكمية كالعموم و الخصوص نحو اقتلوا
[١] من علماء الحديث توفي ٧٤٣ ه. سبقت ترجمته.
[٢] [به في الأصول] (+ م)
[٣] المقصود (م، ع)
[٤] فقيه محدث توفي عام ٣٨٨ ه. تقدمت ترجمته.
[٥] النساء/ ٣
[٦] الشورى/ ١١
[٧] الكهف/ ١