كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٠٦١ - فائدة
و إن لم يلاقه في الصحابة لحصول الرؤية من جانبه صلّى اللّه عليه و سلّم. و قيل لا يعدّ في الصّحابة لأنّ إسناد لقي إلى ضمير من دون النبي يخرجه. و قولنا من الثقلين يخرج الملائكة لأنّ الثقلين هما الإنس و الجنّ كما في الصراح و غيره. و قولنا مؤمنا به يخرج من لقيه صلّى اللّه عليه و سلّم حال كونه غير مؤمن به، سواء لم يكن مؤمنا بأحد من الأنبياء كالمشرك، أو يكون مؤمنا بغيره من الأنبياء عليهم السلام كأهل الكتاب. لكن هل يخرج من لقيه مؤمنا بأنّه سيبعث و لم يدرك البعثة كورقة بن نوفل [١]؟ ففيه تردّد كما قال النووي.
فمن أراد اللقاء حال نبوته عليه السلام فيخرج عنه، و من أراد أعمّ من ذلك يدخل فيه. و قولنا و مات على الإسلام يخرج من ارتدّ بعد أن لقيه مؤمنا و مات على الرّدّة مثل عبد اللّه بن جحش [٢] و ابن خطل [٣]. و أمّا من لقيه مؤمنا به ثم ارتدّ ثم أسلم سواء أسلم حال حياته أو بعد موته، و سواء لقيه ثانيا أم لا فهو صحابي على الأصح، و قيل ليس بصحابي. و يرجّح الأول قصة الاشعث بن قيس فإنّه ممّن ارتدّ و أتي به إلى أبي بكر الصديق أسيرا فعاد إلى الإسلام فقبل منه ذلك و زوّجه أخته، و لم يتخلف أحد من ذكره في الصحابة و لا عن تخريج أحاديثه في المسانيد و غيرها.
و في عدم تقييد اللقاء بزمان محدود أو غير محدود قليلا كان أو كثيرا إشارة إلى اختيار مذهب جمهور المحدّثين و الشافعي و اختاره أحمد بن حنبل و لذا قال: الصّحابي من صحبه عليه السلام صغيرا كان أو كبيرا، سنة أو شهرا أو يوما أو ساعة، أو رآه. و اختاره أيضا ابن الحاجب لأنّ الصّحبة تعمّ القليل و الكثير بحسب اللغة، فأهل الحديث نقلوا على وفق اللغة.
و قال سعيد بن المسيب لا يعد صحابيا إلا من أقام مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم سنة أو سنتين، و غزا معه غزوة أو غزوتين.
و وجهه أنّ لصحبته عليه السلام شرفا عظيما فلا ينال إلّا باجتماع يظهر فيه الخلق المطبوع عليه الشخص، كالغزو المشتمل على السّفر الذي هو قطعة من السّقر. و السنة المشتملة على الفصول الأربع التي بها يختلف المزاج. و عورض بأنّه عليه السلام لشرف منزلته أعطى كلّ من رآه حكم الصّحبة. و أيضا يلزم أن لا يعدّ جوير بن عبد اللّه [٤] و نحوه من الصّحابة، و لا خلاف في أنّهم صحابة.
و قال أصحاب الأصول: الصّحابي من طالت مجالسته له على طريق التّبع له و الأخذ عنه فلا يدخل من وفد عليه و انصرف بدون مكث. و قيل الأصوليون يشترطون في الصّحابي ملازمة ستة أشهر فصاعدا. و قيل لا حدّ لتلك الكثرة بتقدير بل بتقريب. و يؤيّده ما قال أبو
[١] هو ورقة بن نوفل بن اسد بن عبد العزّى القريشي. توفي عام ١٢ ق. ه/ نحو ٦١١ م. من حكماء الجاهليين. اعتزل الاوثان قبل الاسلام ثم تنصّر. و هو ابن عم خديجة زوج النبي صلّى اللّه عليه و سلّم و قد اخبر النبي عن بعثته. و له قصة طويلة ذكرها اصحاب التواريخ و الحديث. الاعلام ٨/ ١١٤، الروض الأنف ١/ ١٢٤، صحيح البخاري ١/ ٤، صحيح مسلم ١/ ١٤١، تاريخ الاسلام ١/ ٦٨، الأغاني ٣/ ١١٩، خزانة البغدادي ٢/ ٣٨.
[٢] هو عبد اللّه بن جحش بن رئاب بن يعمر الاسدي. توفي عام ٣ ه/ ٦٢٥ م صحابي جليل، من المهاجرين إلى الحبشة ثم إلى المدينة. شهد المواقع مع الرسول و مات شهيدا يوم أحد. الاعلام ٤/ ٧٦، حلية الاولياء ١/ ١٠٨، حسن الصحابة ٣٠٠، إمتاع الأسماع ١/ ٥٥.
[٣] ابن خطل الكافر: هو عبد العزى و قيل غالب بن عبد اللّه بن عبد مناف بن اسعد بن جابر بن كثير بن تميم بن غالب، كذا سماه ابن الكلبي. و قيل عبد اللّه بن خطل. أمر النبي صلّى اللّه عليه و سلّم بقتله يوم فتح مكة لأنه اسلم ثم ارتد. تهذيب الاسماء ٢/ ٢٩٨.
[٤] لعله يقصد جابر بن عبد اللّه الأنصاري و هو من أطفال الانصار.