متشابه القرآن و مختلفه - ابن شهرآشوب - الصفحة ١٠٣
أَعْمىٰ كناية عن النعم لا عن الدنيا و هو قول ابن عباس- وَ مَنْ كٰانَ فِي هٰذِهِ أَعْمىٰ عن الإيمان بالله و ما أوجبت عليه فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمىٰ عن الجنة و الثواب يعني إنه لا يهتدي إلى طريقهما و لا شك أن من ضل عن ذلك يكون في القيامة منقطع الحجة مفقود المعاذير و يكون العمى الأول عن المعرفة بالله و الثاني بمعنى المبالغة في الأخبار عن عظم ما يناله هؤلاء الكفار من الخوف و الغم الذي أزاله الله عن المؤمنين بقوله لٰا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لٰا هُمْ يَحْزَنُونَ و العرب تقول لمن اشتد خوفه إنه أعمى سخين العين بضد قرير العين قوله فَلٰا تَعْلَمُ نَفْسٌ مٰا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ و العمى الأول عن الإيمان و الثاني هو الآفة في العين على سبيل العقوبة قوله وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ أَعْمىٰ.
٢/ ٣٨
قوله سبحانه- فَلٰا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لٰا هُمْ يَحْزَنُونَ قال الجبائي عمومه يقتضي أنه لا يلحقهم خوف في أهوال القيامة و قال ابن الإخشيد لا يدل على ذلك لأن الله تعالى وصف القيامة بعظم الخوف و قال إِنَّ زَلْزَلَةَ السّٰاعَةِ إلى قوله شَدِيدٌ غير ذلك من الشدائد و هذا ليس بمعتمد لأنه لا يمتنع أن يكون هؤلاء خارجين من ذلك العموم و أما الحزن فلا خلاف أنه لا يلحقهم و من أجاز الخوف فرق بينه و بين الحزن و الحزن أنما يقع على ما يغلظ و يعظم من الغم و الهم فلذلك لم يوصفوا بذلك و كذلك لٰا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ لأن ما يلحقهم لا يلبث و يزول لأن الحزن مأخوذ من الحزن و هو ما غلظ من الأرض فكأنه ما غلظ من الهم فأما لحوق الخوف و الحزن في دار الدنيا فلا خلاف أنه يجوز أن يلحقهم لأن من المعلوم أن المؤمنين لا ينفكون منه.
فصل [الناس يوم القيامة]
٢/ ١٧٤
قوله تعالى لٰا يُكَلِّمُهُمُ اللّٰهُ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ و في موضع هٰذٰا يَوْمُ لٰا يَنْطِقُونَ و في موضع لٰا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلّٰا بِإِذْنِهِ و في موضع اخْسَؤُا فِيهٰا وَ لٰا تُكَلِّمُونِ و قال يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجٰادِلُ عَنْ نَفْسِهٰا و في موضع وَ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ يَتَسٰاءَلُونَ قال المفسرون في الجمع بين الآيات إن يوم القيامة يوم طويل ممتد فقد يجوز أن يمنعوا النطق في بعض و يؤذن لهم في بعض كما حكى الله تعالى عنهم- قٰالُوا رَبَّنٰا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنٰا بِذُنُوبِنٰا فَهَلْ إِلىٰ خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ و قال الحسن و واصل و أبو علي أي لا يكلمهم بما