موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٥٧٩
فلمّا كان آخر النهار إذا برجل من فراسنا، ومعه ثلاث أحمرة، قد أقبل ليحتطب فلمّا رآنا ارتاع منّا وانهزم، وترك حميره، فصحنا إليه باسمه، وتسميّنا له، فرجع، وقال: يا ويلكما إنَّ أهليكما قد أقاموا عزاءكما، قوما لا حاجة لي في الحطب، فقمنا وركبنا تلك الأحمرة، فلمّا قربنا من البلد، دخل أمامنا، وأخبر أهلنا ففرحوا فرحاً شديداً، وأكرموه وأخلعوا عليه فلما دخلنا إلى أهلنا سألونا عن حالنا، فحكينا لهم بما شاهدناه، فكذَّبونا وقالوا: هو تخييل لكم من العطش.
قال محمود: ثمَّ أنساني الدَّهر حتّى كأن لم يكن، ولم يبق على خاطري شيء منه حتّى بلغت عشرين سنة، وتزوَّجت وصرت أخرج في المكاراة، ولم يكن في أهلي أشدُّ منّي نصباً لأهل الإيمان، سيّما زوّار الأئمّة(عليهم السلام) بسرَّ من رأى، فكنت أكريهم الدَّوابَّ بالقصد لأذيّتهم بكلِّ ما أقدر عليه من السرقة وغيرها، وأعتقد أنَّ ذلك ممّا يقرَّبني إلى الله تعالى.
فاتّفق أنّي كريت دوابي مرَّة لقوم من أهل الحلّة، وكانوا قادمين إلى الزيارة منهم ابن السهيلي وابن عرفة وابن حارب، وابن الزهدري، وغيرهم من أهل الصلاح فلمّا جنَّ اللّيل، أدركتني السعادة، فقلت في نفسي: إنَّ هؤلاء الرافضة لا يرجعون عن دينهم، بل غيرهم إذا زهد يرجع إليهم، فما ذلك إلاّ لأنَّ الحقَّ معهم فبقيت مفكراً في ذلك، وسألت ربّي بنبيّه محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يريني في ليلتي علامة أستدلُّ بها على الحقِّ الذي فرضه الله تعالى على عباده.
فأخذني النوم فإذا أنا بالجنّة قد زخرفت، فإذا فيها أشجار عظيمة، مختلفة الألوان والثمار، ليست مثل أشجار الدُّنيا; لأنَّ أغصانها مدلاّة، وعروقها إلى فوق، ورأيت أربعة أنهار: من خمر، ولبن، وعسل، وماء، وهي تجري وليس لها جرف بحيث لو أرادت النملة أن تشرب منها لشربت، ورأيت نساء حسنة الأشكال، ورأيت قوماً يأكلون من تلك الثمار، ويشربون من تلك الأنهار، وأنا لا أقدر على