موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٤١٨
الواقع من الغلو وانكار ذلك ينشأ من الفهم السطحي لمقام النبوّة والإمامة وتجريده عن خصائصه التي يتمتّع بها من قبل الباري عزّ وجلّ، ويرجع هذا الفهم في الحقيقة إلى الجهل بتلك المقامات، وما جعل الله تعالى لها من القدر والمنزلة العظيمة.
إنّ من المعلوم في الدين الإسلامي أنّ العبد الذي ينال مقام "النبوّة" أو "الإمامة"، لابّد وأن يمتاز بأمور وخصائص جليلة لا تكون في سواه من العباد، ويكن ذا نفس عالية وعظيمة، ويبلغ من السمّو الروحي ما يؤهّله لمقام "النبوّة" أو "الإمامة" أو مقام "النبوّة والإمامة" معاً، كالرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم).
والذي يتأهّل لمثل هذه المقامات الجليلة، يكون من الطبيعي ذا طاقة خاصّة وقدرة هائلة على التصرّف بأمور الكون بإذن الله تعالى.
فإنّ معاجز النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وكراماته تنطوي على حقيقة لابدّ من الإذعان بها، وهي، الصدق في دعواه، وارتباطه بالسماء، وكذا بلوغه ذلك المقام العظيم الذي يتصرّف من خلاله بأمور الكون بأمر الله تعالى وحكمته.
وكذا معاجز النبيّ موسى(عليه السلام)، حيث يقول الله تعالى: {فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ}[١]، فإنّه تعالى قد أسند التصرّف التكويني إلى عبده موسى(عليه السلام)،ولكن بإذنه ومشيئته.
وهكذا جميع معاجز وكرامات الأنبياء، فليست هي إلاّ تصرّف بأمور الكون بإذن الله تعالى.
أمّا بالنسبة لمقام "الإمامة"، فهو أعظم من مقام النبوّة وأعلى شأناً، يقول تعالى في كتابه العزيز: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ
[١] الشعراء (٢٦) : ٤٥.