موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٣٨١
وكان جواب الشيعة عن مسألة خلق الله لأفعال العباد هي أنّ الباحث ينبغي أن ينظر إلى الحقائق بنظرة شموليّة ليتمكّن من معرفة الحقائق كما هي عليه في الواقع، ومنها قوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيء} فهذه الآية تدلّ على أن الله تعالى خالق كلّ شيء ولكنّنا ينبغي أن لا نستنتج من هذه الآية بأنّ الله تعالى هو الخالق لكلّ شيء بصورة مباشرة لأنّه تعالى نسب الخلق إلى غيره في الآيات القرآنيّة الأخرى منها قوله تعالى: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}[١]، ومنها قوله تعالى: {وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ}[٢] ومنها قوله تعالى للسامري وأصحابه: {وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً}[٣]. وهذه الآيات تدل بوضوح على صحة نسبة فعل الخلق إلى غير الله تعالى.
ومن هنا نستنتج بأنّ الآيات القرآنيّة الكريمة التي تنسب خلق كلّ شيء إلى الله تعالى، ليست إلاّ في مقام بيان قدرة الله التامّة على الخلق ونفوذ أمره الشامل لجميع الكون بلا استثناء ولا يوجد تنافي بين هذه الشموليّة مع قدرة البشر على خلق أفعالهم، لأنّ قدرة البشر نابعة من الله تعالى.
وبعبارة أخرى إنّ نسبة الخلق إلى الله تعالى لا يعني أنّه السبب المباشر للخلق، بل قد يكون الخلق صادراً من الإنسان، ولكنّه ينسب إلى الله عزّوجل، لأنّه تعالى صاحب القدرة التي منحها للعبد، ومثال ذلك في القرآن فعل التوفّي، فهذا الفعل نُسب في بعض الأحيان بصورة مطلقة إلى الله تعالى فقال عزّ وجلّ: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا}[٤] ونسب تارة إلى ملك الموت فورد قوله تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ}[٥] ونسب في أحيان أخرى إلى الملائكة، فورد
[١] المؤمنون (٢٣): ١٤. [٢] الصافات (٣٧): ١٢٥. [٣] العنكبوت (٢٩): ١٧. [٤] الزمر (٣٩): ٤٢. [٥] السجدة (٣٢): ١١.