موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٣٨٢
قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ}[١] ولا يحق لأحد عند قراءته للآية الأولى أن يدّعي بأنّ الله تعالى هو الذي يتوفّي الأنفس فقط ولا يحقّ نسبة التوفي إلى غيره، لأنّ الآية الثانية والثالثة نسبت فعل التوفي إلى غير الله تعالى. وما يمكن استنتاجه في هذا المجال أنّ فعل التوفّي يتمّ بيد الملائكة أو بيد مَلك الموت، وإنّ نسبة هذا الفعل إلى الله تعالى هو لأنّه تعالى منح قدرة هذا الفعل لملك الموت أو الملائكة، وهذا من قبيل أن يُقال بأنّ القائد الفلاني بنى هذه المدرسة، فنسبة البناء للقائد لا تعني أنّه قام بالبناء بصورة مباشرة لأنّ البناء تمّ على يد العمّال بل تعني أنّ أمر البناء تمّ بأمره وبالإمكانيات التي وفّرها للعمّال.
وهكذا في مسألة الخلق، فنسبة خلق كلّ شيء إلى الله تعالى لا تعني أنّه يخلق كلّ شيء بصورة مباشرة، وإنّما ينسب الخلق إلى الله تعالى، لأنّه صاحب القدرة التي منحها للعبد فتمكّن العبد أن يخلق بها بإذن الله تعالى.
وأما الإصرار على لزوم التمسّك ببعض الآيات القرآنية وإهمال الآيات الأخرى، فإنّه لا يدلّ على تبعيّة الإنسان المطلقة للقرآن، وإنّما يدلّ على أن الإنسان وصل إلى نتيجة معينّة فأحبّ أن يدعم قوله بالقرآن الكريم، فانتقى من القرآن ما يتلاءم مع فكرته وترك الباقي لعدم الانسجام مع الرأي الذي يودّ أن يذهب إليه، وقد قال تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْض}[٢].
كما أنّ الذي يصرّ على الالتزام بالأخذ بظاهر قوله تعالى: {اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيء} فينبغي أن يقول بأنّ الله خالق لعلمه ولقدرته وسائر صفاته الذاتيّة، لأنّ علمه تعالى شيء وقدرته تعالى شيء آخر وسائر صفاته أشياء، وإذا كان {اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيء} فيلزم ذلك أنّه خالق لهذه الصفات.
[١] الأنفال (٨): ٥٠. [٢] البقرة (٢): ٨٥.