موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٢٣
وقوم آخر يريحون أنفسهم نوعاً آخر من الإراحة فيستبعدون أن تقع هذه الأحداث والفتن من أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله) ويرون أنّها مؤامرات دبّرها الكائدون للإسلام كعبدالله بن سبأ ومن لفّ لفّه من أهل الكتاب وغير أهل الكتاب.
وواضح جداً أنّنا لا نستطيع أن نذهب هذا المذهب أو ذاك فنحن لا نحبّ الكسل، ولا نطمئن إلى الراحة، ولا نغلوا في تقديس الناس إلى هذا الحدّ البعيد، ولا نرى في أصحاب النبيّ ما لم يكونوا يرون في أنفسهم، فهم كانوا يرون أنّهم بشر يتعرّضون لما يتعرّض له غيرهم من الخطايا والآثام، وهم تقاذفوا التهم الخطيرة، وكان منهم فريق تراموا بالكفر والفسوق، فقد روي أنّ عمّار بن ياسر كان يكفّر عثمان ويستحلّ دمه، ويسمّيه نعثل، وروي أنّ ابن مسعود كان يستحلّ دم عثمان أيّام كان في الكوفة، وهو كان يخطب الناس فيقول: إنّ شرّ الأمور محدثاتها، وكلّ محدث بدعة، وكلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة في النار، يعرّض في ذلك بعثمان وعامله الوليد... وروي أنّ عبدالرحمن بن عوف قال لبعض أصحابه في المرض الذي مات فيه عاجلوه قبل أن يطغى ملكه. والذين ناصروا عثمان من أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله) كانوا يرون أنّ خصومهم قد خرجوا على الدين، وخالفوا عن أمره، وهم جميعاً قد استحلّوا أن يقاتل بعضهم بعضاً، وقاتل بعضهم بعضاً يوم الجمل ويوم صفّين إلاّ ما كان من سعد وأصحابه القليلين.
وإذا دفع أصحاب النبيّ أنفسهم إلى هذا الخلاف، وتراموا بالكبائر وقاتل بعضهم بعضاً في سبيل الله[١] فما ينبغي أن يكون رأينا فيهم أحسن من رأيهم في أنفسهم وما ينبغي أن نذهب مذهب الذين يكذّبون أكثر الأخبار التي نقلت إلينا، ما كان بينهم من فتنة واختلاف، فنحن إن فعلنا ذلك لم نزد عن أن نكذب التأريخ
[١] قتال الصحابة بعضهم لبعض في سبيل الله لا يخلو من نظر، فمن المؤكّد أنّ بعضهم قاتل من أجل الأطماع كطلحة والزبير، فضلاً عن معاوية الذي صرّح بأنّه قاتل أهل العراق من أجل التأمّر عليهم ولا يهمّه صلاتهم وصومهم.