موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٣٨٠
الآخرين هو التعرّف على أفكارهم ثمّ المبادرة إلى تقييمها وفق القرآن والسنّة والعقل، ويلزم ذلك أن يتعرّف الباحث على أفكار ومعتقدات الآخرين من مصادرهم الموثوقة وأن لا يكتفي بما يقوله المخالفون لهم.
أدرك "هري كوسوما" بعد اصغائه إلى كلام صاحبه المستبصر بأنّ الحقّ معه، وأدرك بأنّه قد استعجل في حكمه على الشيعة، وكيف يحقّ له انتقاد من لا يعرف عنهم شيئاً، وكيف يحقّ له أن يكوّن في نفسه انطباعاً سيّئاً إزاء من لا يعرف عنهم إلاّ ما قاله المخالفون ضدّهم، وكيف يحقّ له أن ينطلق من منطلق العاطفة ولا يجعل للعقل أيَّ دور في تقييمه للآخرين.
ومن هنا خصّص "هري كوسوما" لنفسه وقتاً ليتعرّف من خلال صاحبه على أصول ومبادىء التشيّع، وكان "هري كوسوما" مطمئناً بأنّه على الحقّ وصاحبه على الباطل، ولكنّه أراد أن يدخل هذه المرة مع صاحبه من منطلق الدليل والبرهان ليثبت له بأنّ الشيعة تخالف صريح القرآن الكريم!
مسألة خلق الله لأفعال العباد:
كان يعتقد "هري كوسوما" بأنّ الشيعة تخالف صريح القرآن في عدّة أُمور منها قوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيء}[١] وهذه الآية تبيّن بصراحة بأنّ الله تعالى خالق كلّ شيء، ومن هذا الشيء هو فعل العباد، ولكن الشيعة تقول غير ذلك.
ومع ذلك رضي "هري كوسوما" أن لا يكتفى في تقييمه للمذهب الشيعي بما يقال عنه، فبادر إلى البحث في الكتب الشيعيّة ليرى كيف تجرّأ الشيعة على مخالفة القرآن الكريم.
وطّن "هري كوسوما" نفسه إلى الإصغاء لأدلّة الشيعة فيما يذهبون إليه، وإذ به يجد نفسه أمام مدرسة فكريّة عملاقة تحاول أن تنظر إلى الأمور من زوايا متعدّدة لئلاّ تقع في أسر النظر الأحادي أو النظر من آفاق ضيّقة.
[١] الزمر (٣٩): ٦٢.