موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٣٣٣
لا يحقّ لك التعصّب لعقيدة لا تمتلك عليها دليلاً سوى التقليد الأعمى، وكان يحثّ نفسه على البحث من أجل تشييد معتقداته الموروثة على أساس الأدلّة والحجج والبراهين.
وبالفعل جنّد "محمّد عبدالله" نفسه لهذا الأمر، ولكنّه واجه العديد من العقبات، ووجد الكثير من المفاهيم الدينيّة التي كان يعتقد بها فيما سبق لا تنسجم مع العقل، وهذا ما دفعه إلى التأمّل فيها والتشكيك بصحّتها.
مسألة الكسب في الأفعال البشريّة:
كان "محمّد عبدالله" يعتقد بأنّ الله تعالى هو الذي يخلق أفعال العباد، وهو الذي يخلق في العبد قدرة عند خلقه لفعل العبد، وأنّ هذه القدرة التي يخلقها الله غير مؤثرة، وليس للإنسان أي تأثير في إيجاد فعله وإنّما فعل العبد يخلقه الله ويكسبه العبد، والكسب ـ كما هو مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري ـ هو مقارنة خلق الله تعالى لفعل العبد مع القدرة التي يمنحها تعالى للعبد، من غير أن يكون لقدرة العبد أيّ تأثير أو مدخل في وجود الفعل، لأنّ العبد ليس إلاّ محلاّ للفعل الذي يخلقه الله تعالى فيه[١].
ولكن وجد "محمد عبدالله" بعد التأمّل وإعمال العقل بأنّ هذه النظرية تعني عدم وجود دور للإنسان في أفعاله، وإذا كان اللّه خالقاً لفعل العبد وهو الخالق لقدرة العبد ويصدر فعل العبد بقدرة الله تعالى من دون أن تكون لقدرة العبد أي تأثير، فكيف يمكن نسبة الفعل إلى العبد، وكيف يمكن أن يتحمّل الإنسان مسؤوليّة فعله إذا لم يكن له أيّ دور في وقوع فعله.
ووجد "محمّد عبدالله" بأنّ الأشعري ومن تبعه يحاولون أن ينفون عن أنفسهم القول بالجبر ويجتهدون لإثبات الاختيار ونسبة الفعل إلى الإنسان عن طريق القول بالكسب، فهم يقولون بأنّ الله تعالى يخلق فعل الإنسان ولكن
[١] انظر: المواقف، للإيجي: ٣ / ٢١٤.