ربيع الأبرار و نصوص الأخبار - الزمخشري - الصفحة ٣١١ - الباب العاشر الملائكة و الانس و الجن و الشيطان و قبيله
بهم فتوق أجوائها، و بين فجوات تلك الفروج زجل المسبحين منهم في حضائر القدس. و سترات الحجب، و سرادقات المجد، و وراء ذلك الرجيح الذي تستك منه الأسماع، سبحات نور تردع الأبصار عن بلوغها، فتقف خاسئة على حدودها؛ أنشأهم على صور مختلفات، و أقدار متفاوتات، أولي أجنحة تسبح جلال عزته، لا ينتحلون [١] ما ظهر في الخلق من صنعه، و لا يدعون أنهم يخلقون شيئا معه مما انفرد به، بل عباد مكرمون، لا يسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون، جعلهم فيما هناك أهل الأمانة على وحيه، و حملهم إلى المرسلين ودائع أمره و نهيه، و عصمهم من ريب الشبهات، فما منهم زائغ عن سبيل مرضاته، و أمدهم بفوائد المعونة، و أشعر قلوبهم تواضع أخبات السكينة، و فتح لهم أبوابا ذللا إلى تماجيده، و نصب لهم منارا واضحة على أعلام توحيده، لم تثقلهم موصرات الآثام، و لم ترتحلهم عقب الليالي و الأيام، و لم ترم الشكوك بنوازعها عزيمة إيمانهم، و لن تعترك الظنون على معاقد يقينهم، و لا قدحت قادحة إلا حن فيما بينهم، و لا سلبتهم الحيرة ما لاق من معرفته بضمائرهم، و ما سكن من عظمته و هيبة جلالته في أثناء صدورهم، و لم تطمع فيهم الوساوس فتقترع برينها [٢] على قلوبهم. منهم من هم في خلق الغمام الدلج [٣] ، و في عظم الجبال الشمخ، و في قترة الظلام الأيهم [٤] ؛ و منهم من قد خرقت أقدامهم تحوم الأرض السفلى، فهي كرايات بيض قد نفذت في مخارق الهواء، و تحتها ريح هفافة تحبسها على حيث انتهت من الحدود المتناهية، قد استفرغتهم أشغال عبادته، و وصلت حقائق الإيمان بينهم و بين معرفته، و قطعهم الإيقان به إلى الوله إليه، و لم تجاوز رغباتهم ما عنده إلى ما عند غيره؛ قد ذاقوا حلاوة معرفته، و شربوا بالكأس الروية
[١] انتحل و تنحّل الشعر أو القول: ادعاه لنفسه و هو لغيره.
[٢] الرين: الطبع و الدنس.
[٣] الدلج: الأسود. و الدلج: الساعة من آخر الليل.
[٤] الظلام الأيهم: الشديد السواد.