ربيع الأبرار و نصوص الأخبار - الزمخشري - الصفحة ٣١٢ - الباب العاشر الملائكة و الانس و الجن و الشيطان و قبيله
من محبته، و تمكّنت من سويداء قلوبهم وشيجة [١] خيفته، فحنوا بطول الطاعة اعتدال ظهورهم، و لم ينفد طول الرغبة إليه مادة تضرعهم، و لا أطلق عنهم عظيم الزلفة ربق خشوعهم، و لم يتولهم الإعجاب فيستكثروا ما سلف منهم، و لا تركت لهم استكانة الإجلال نصبا في تعظيم حسانتهم، و لم تجر الفترات فيهم على طول دءوبهم، و لم تغض رغباتهم فيخالفوا عن رجاء ربهم، و لم تجف لطول المناجاة أسلات [٢] ألسنتهم، و لا ملكتهم الأشغال فتنقطع بهمس الجؤار [٣] إليه أصواتهم، و لم تختلف في مقاوم الطاعة مناكبهم، و لم يثنوا إلى راحة التقصير في أمره رقابهم، لا تعدو على عزيمة جدهم بلادة الغفلات، و لا تنتضل في هممهم خدائع الشهوات، قد اتخذوا ذا العرش ذخيرة ليوم فاقتهم، و يمموه عند انقطاع الخلق إلى المخلوقين برغبتهم، لا يقطعون أمد غاية عبادته، و لا يرجع بهم الاستهتار بلزوم طاعته، إلا إلى مواد من قلوبهم غير منقطعة من رجائه و مخافته، لم تنقطع أسباب الشفقة منهم فينوا [٤] في جدهم، و لم تأسرهم الأطماع فيؤثروا و شيك السعي على اجتهادهم، و لم يستعظموا ما مضى من أعمالهم، و لو استعظموا ذلك لنسخ الرجاء منهم شفقات وجلهم، و لم يختلفوا في ربهم باستحواذ الشيطان عليهم، و لم يفرقهم سوء التقاطع، و لا تولاهم غل التحاسد، و لا تشعبتهم مصارف الريب، و لا اقتسمتهم أخياف الهمم، فهم أسراء إيمان لم يفكهم من ربقته زيغ و لا عدول، و لا وني و لا فتور، و ليس في أطباق السماوات موضع أهاب إلا و عليه ملك ساجد، أو ساع حاقد، يزدادون على طول الطاعة بربهم علما، و تزداد عزة ربهم في قلوبهم عظما.
-و عنه كرم اللّه وجهه: فتق ما بين السماوات العلا، فملأهن أطوارا
[١] الوشيجة: عروق الأذنين. و قيل غير ذلك. راجع اللسان مادة وشج.
[٢] أسلات، الواحدة أسلة: رأس اللسان.
[٣] جأر إلى اللّه جأرا و جؤارا: رفع صوته بالدعاء. تضرّع.
[٤] ينوا: يقنطوا، و تفتر هممهم و يتعبوا.