ربيع الأبرار و نصوص الأخبار - الزمخشري - الصفحة ٢٦٩ - الباب التاسع البلاد و الديار و الأبنية و ما يتصل بها من ذكر العمارة و الخراب و حب الوطن
لم يعبه أن بزّ من بسط الديـ # باج و استلّ من ستور الدّمقس [١]
مشمخرا تعلو له شرفات # رفعت في رءوس رضوى و قدس [٢]
ليس يدري أصنع إنس لجن # سكنوه أم صنع جن لإنس
غير أني أراه يشهد أن لم # يك بانيه في الملوك بنكس [٣]
٨٨-الأوائل من الأمم لما علموا من جهة النجوم أن آفة سماوية تصيبهم و هي الطوفان بنوا في صعيد مصر أهراما بالحجارة، على رءوس الجبال و المواضع المرتفعة، ليحترزوا بها، و جعلوا الهرمين أرفع منها كلها؛ و هما على فرسخين من الفسطاط، كل واحد أربعمائة ذراع طولا، في أربعمائة ذراع عرضا، و الأساس زائد على جريب [٤] ، مبني بحجارة المرمر و الرخام، غلظ كل حجر عشرة أذرع إلى ثمان، مهندم لا يستبين هندامه إلا لحادّ البصر، و حجارتها منقولة من مسافة أربعين فرسخا، من موضع يعرف بذات الحمام فوق الإسكندرية، و لا يزالان ينخرطان في الهواء صنوبريا حتى ترجع ذروتهما إلى مقدار خمسة أشبار في خمسة، و شكلهما التربيع، و ليس على وجه الأرض بناء أرفع منهما، منقور فيهما بالمسند كل سحر و طب و طلسم، و فيه إني بنيتهما، فمن ادعى قوة في ملكه فليهدمهما، فإذا خراج الدنيا لا يفي بهدمهما، و كان يجمع يوسف عليه السّلام فيهما الطعام. و قالوا: لا يعرف من بناهما. قال المتنبي [٥] :
[١] البزّ: الثياب من الكتّان أو القطن. و الديباج: الثوب الذي سداه و لحمته حرير.
و الدّمقس: الحرير الأبيض.
[٢] مشمخر: طويل عال. و رضوى: جبل بالمدينة. و قدس: جبل، و هو قدس الأبيض و قدس الأسود.
[٣] يك: أصلها يكن و حذفت النون للتخفيف. و النكس: المقصّر عن غاية الكرم.
[٤] الجريب: مكيال قدر أربعة أقفزة، و القفيز ثمانية مكاكيك عند أهل العراق و هو من الأرض قدر مائة و أربع و أربعين ذراعا.
[٥] المتنبي: هو أحمد بن الحسين المتوفى سنة ٣٥٤ هـ. و البيتان من قصيدة يرثي بها أبا شجاع فاتك مصر سنة ٣٥٠ هـ.
و مطلعها:
الحزن يقلق و التجمل يردع # و الدمع بينهما عصيّ طيّع