ربيع الأبرار و نصوص الأخبار - الزمخشري - الصفحة ١٦٣ - الباب الخامس النار و أنواعها و أحوالها، و ذكر نار جهنم و أهوالها و السراج و الشمعة و نحو ذلك
٦٥-علي رضي اللّه عنه: لقد رأيت عقيلا [١] و قد أملق [٢] ، حتى استماحني من برّكم صاعا، و ما رأيت صبيانه شعث الألوان من فقرهم، كأنما سودت وجوههم بالعظلم [٣] ، و عاودني مؤكدا، و كرر عليّ القول مرددا، فأصغيت إليه سمعي، فظن أني أبيعه ديني، و أتبع قياده مفارقا طريقتي. فأحميت له حديدة، ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها، فضج ضجيج ذي دنف [٤] من ألمها، و كاد أن يحرق من مسها، فقلت له:
ثكلتك الثواكل يا عقيل، أ تئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه، و تجرني إلى نار سجرها [٥] جبارها لغضبه. أ تئن من الأذى و لا أئن من لظى؟.
-و عنه: و اعلموا أنه ليس لهذا الجلد الرقيق صبر على النار، فارحموا نفوسكم فأنكم قد جربتموها في مصائب الدنيا، فرأيتم جزع أحدكم من الشوكة تصيبه، و العثرة تدميه، و الرمضاء [٦] تحرقه، فكيف إذا كان بين طابقين من نار، ضجيج حجر، و قرين شيطان. أعلمتم أن مالكا إذا غضب على النار حطم بعضها بعضا لغضبته، و إذا زجرها توثبت بين أبوابها جزعا من زجرته. أيها اليفن [٧] الكبير، الذي قد
[١] عقيل: هو عقيل بن عبد مناف (أبي طالب) بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، كنيته أبو يزيد، أعلم قريش بأيامها و مآثرها و مثالبها و أنسابها. صحابي بقي على الشرك إلى أن كانت وقعة بدر. و أسلم بعد الحديبية هو أخو الإمام عليّ و جعفر لأبيهما و كان أسنّ منهما. برز اسمه في الجاهلية و كان في قريش أربعة يتحاكم الناس إليهم في المنافرات: عقيل (صاحب الترجمة) و مخرمة، و حويطب، و أبو جهم. عمي في أواخر أيامه و توفي في أول أيام يزيد. و قيل: في خلافة معاوية نحو سنة ٦٠ هـ.
راجع ترجمته في الإصابة ت ٥٦٣٠. و البيان و التبيين ١: ١٧٤ و الأعلام ٤: ٢٤٢.
[٢] أملق: انفق ماله حتى افتقر.
[٣] العظلم: عصارة شجر لونه كالنيل أخضر إلى الكدرة. و ليل عظلم: مظلم.
[٤] الدنف: المريض المقبل على الموت.
[٥] أسجر النار: أوقدها.
[٦] الرمضاء: الأرض الحارّة.
[٧] اليفن: الشيخ الفاني.