ربيع الأبرار و نصوص الأخبار - الزمخشري - الصفحة ٢٦٨ - الباب التاسع البلاد و الديار و الأبنية و ما يتصل بها من ذكر العمارة و الخراب و حب الوطن
خمس عشرة ذراعا. و لما بنى المنصور بغداد أحب أن ينقضه، و يبني بنقضه؛ فاستشار خالد بن برمك [١] فنهاه، و قال: هو آية الإسلام، من رآه علم أن من هذا بناؤه لا يزيل أمره إلا نبي، و هو مصلى علي بن أبي طالب، و المئونة في نقضه أكثر من الارتفاق به. فقال: أبيت إلا ميلا إلى العجم؛ فهدمت ثلمة فبلغت النفقة عليها مالا كبيرا، فأمسك؛ فقال له خالد: أنا الآن أشير بهدمه لئلا يتحدث بعجزك عنه، فلم يفعل.
٨٧-و تذاكر حذيفة [٢] و سلمان [٣] رضي اللّه عنهما أمر الدنيا، فكان من أعجب ما ذكرا أن أعرابيا من غامد كان يرعى حوله شويهات له، فإذا كان الليل آواها إلى سرير رخام في الإيوان كان يجلس عليه أبرويز.
قال البختري:
حضرت رحلي الهموم فوجّهـ # ت إلى أبيض المدائن عنسي [٤]
و كأن الإيوان من عجب الصّنـ # عة جون في جنب أرعن مرسي [٥]
[١] خالد بن برمك: أبو البرامكة و أول من تمكن منهم في دولة بني العباس. كان أبوه برمك من مجوس بلخ. كان قحطبة بن شبيب يستشيره فحل منه محل الوزير. و بعد وفاة السفّاح قلّده المنصور بلاد فارس و أمّره على الموصل. وجّهه المهدي مع ابنه هارون الرشيد في صائفة سنة ١٦٣ هـ و مات بعدها سنة ١٦٣ هـ. راجع ترجمته في خزانة البغدادي ١: ٥٤٢.
[٢] حذيفة: هو حذيفة بن اليمان المتوفى سنة ٣٦ هـ. تقدمت ترجمته.
[٣] سلمان: هو سلمان الفارسي المتوفى سنة ٣٦ هـ. تقدمت ترجمته.
[٤] العنس: البازل الصلبة من النوق لا يقال لغيرها و جمعها عناس و عنس. و قيل:
العنس: الناقة القوية. و أبيض المدائن: كناية عن القصر الأبيض لكسرى. و الأبيات من قصيدة للبحتري يصف فيها إيوان كسرى.
[٥] الجون: اسم يطلق على الأبيض و الأسود. و رواية الديوان: ١: ١٩٣ «جوب» و الجوب: الترس و الأرعن: الأحمق. و رواية الديوان: جلس بدل مرسي.
و الجلس: الغليظ. و الأرعن هنا كناية إما عن البناء العظيم أو عن جبل ضخم في جنب الإيوان كأنه ترس في استدارته.