إتحاف الوري بأخبار أم القري - عمر بن محمد بن فهد - الصفحة ٥٣٧ - *** «سنة إحدى و سبعين و خمسمائة»
و النفاطين و غير ذلك، فجمع الأمير مكثر الشرفاء و العرب على قدر وسعه لضيق الوقت، و لم يحج من مكة إلا القليل، و لم يوفّ أكثرهم المناسك؛ لأنهم باتوا بعرفة و لم يبيتوا بمزدلفة، و لم ينزلوا بمنى، و لم يرموا الجمار، و إنما رمى بعضهم و هو سائر، و لا بات بها ليلة. و نزل الحاج فى يوم النحر بالأبطح، فخرج إليهم ناس من أهل مكة فحاربوهم فى بقية يوم النحر، و فى اليوم الثانى و الثالث، و قوى القتال على أهل مكة، و قتل من الفريقين جماعة، ثم آل الأمر إلى أن صيح فى الناس:
الغزاة إلى مكة. فهجموا عليها فهرب أمير مكة مكثر فصعد إلى الحصن الذى بناه على جبل أبى قبيس- و يقال إنما بناه والده عيسى- فحصروه به، ففارقه و سار عن مكة؛ فآمر أمير الحاج بهدم الحصن، فعدا قوم لا خلاق لهم من الحاج بالنهب، فنهبوا كثيرا من الدور التى على أطراف البلد من ناحية المعلاة، و أخذوا من أموال التجار المقيمين بها شيئا كثيرا، و أحرقوا دورا كثيرة.
و من أعجب ما جرى أن إنسانا زرّاقا بالنفط ضرب دارا بقارورة نفط فاحترقت هى و ما فيها- و كانت تلك الدار لأيتام يستغلونها كل سنة إذا جاء الحاج- ثم أخذ قارورة أخرى فسواها ليضرب بها فجاءه حجر فكسرها فعادت عليه فاحترق هو بها، فبقى ثلاثة أيام بسفح الجبل يتعذب بالحريق و رأى بنفسه العجائب ثم مات.
و سلمت مكة ليد الأمير قاسم [١] ثلاثة أيام فظهر عجز
[١] هو الأمير قاسم بن مهنا الحسينى أمير المدينة (شفاء الغرام ٢: ٢٣١).