إتحاف الوري بأخبار أم القري - عمر بن محمد بن فهد - الصفحة ١٩٩ - *** «سنة ثمان و خمسين و مائة»
و فيها قال عبد اللّه بن المبارك: قدمت مكة فإذا الناس قد قحطوا من المطر، و هم يستسقون فى المسجد الحرام، و كنت فى الناس مما يلى باب بنى شيبة إذ أقبل غلام أسود عليه قطعتا خيش قد أتّزر بإحداهما و ألقى الأخرى على عاتقه، فصار فى موضع خفى إلى جانبى، فسمعته يقول: إلهى أخلقت الوجوه كثرة الذنوب، و مساوىء الأعمال، و قد منعتنا غيث السماء لتؤدّب الخليقة بذلك، فأسألك يا حليما ذا أنّاة، يا من لا يعرف عباده منه إلا الجميل، أسقهم الساعة الساعة. فلم يقل الساعة الساعة حتى استوق الغمام، و أقبل المطر من كل مكان، و جلس مكانه يسبّح، و أخذت أبكى. فلما قام تبعته حتى عرفت موضعه، فجئت إلى فضيل بن عياض، فقال لى: ما لى أراك كئيبا؟ فقلت: سبقنا إليه غيرنا فتولّاه دوننا. فقال: و ما ذاك؟ فقصصت عليه القصة، فصاح و سقط و قال: و يحك يا ابن المبارك خذنى إليه. قلت: قد ضاق الوقت و سأبحث عنه و عن شأنه.
فلما كان من الغد خرجت أريد الموضع، فإذا شيخ على الباب قد بسط [١] له و هو جالس، فلما رآنى عرفنى و قال: مرحبا بك يا أبا عبد الرحمن، حاجتك؟ فقلت له: احتجت إلى غلام أسود. فقال: نعم عندى عدة فاختر أيّهم شئت. فصاح: يا غلام فخرج غلام جلد، فقال: هذا محمود العاقبة، أرضاه لك.
[١] فى الأصول «وصف» و المثبت عن صفة الصفوة ٢: ٢٧٠.