البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٣ - و فيها توفى كثير عزة الشاعر المشهور
فأعرضت عنها مشمئزا كأنما* * * سقتك مذوقا من سمام و علقم
و قد كنت من أحبالها في ممنع* * * و من بحرها في مزبد الموج مفعم
و ما زلت تواقا إلى كل غاية* * * بلغت بها أعلى البناء المقدم
فلما أتاك الملك عفوا و لم تكن* * * لطالب دنيا بعده في تكلم
تركت الّذي يفنى و إن كان مونقا* * * و آثرت ما يبقى برأي مصمم
و أضررت بالفاني و شمرت للذي* * * أمامك في يوم من الشر مظلم
و مالك إذ كنت الخليفة مانع* * * سوى اللَّه من مال رعيت و لا دم
سما لك هم في الفؤاد مؤرق* * * بلغت به أعلى المعالي بسلم
فما بين شرق الأرض و الغرب كلها* * * مناد ينادى من فصيح و أعجم
يقول أمير المؤمنين ظلمتني* * * بأخذك ديناري و أخذك درهمى
و لا بسط كف لامرئ غير مجرم* * * و لا السفك منه ظالما ملء محجم
و لو يستطيع المسلمون لقسموا* * * لك الشطر من أعمارهم غير ندّم
فعشت بها ما حج للَّه راكب* * * ملب مطيف بالمقام و زمزم
فاربح بها من صفقة لمبايع* * * و أعظم بها أعظم بها ثم أعظم
قال: فأقبل عليّ عمر بن عبد العزيز و قال: إنك تسأل عن هذا يوم القيامة، ثم استأذنه الأحوص فأنشده قصيدة أخرى فقال: إنك تسأل عن هذا يوم القيامة. ثم استأذنه نصيب فلم يأذن له و أمر لكل واحد منهم بمائة و خمسين درهما، و أغزى نصيبا إلى مرج دابق. و قد وفد كثير عزة بعد ذلك على يزيد بن عبد الملك فامتدحه بقصائد فأعطاه سبعمائة دينار. و قال الزبير بن بكار: كان كثير عزة شيعيا خبيثا يرى الرجعة، و كان يرى التناسخ و يحتج بقوله تعالى فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ و قال موسى بن عقبة هوّل كثير عزة ليلة في منامه فأصبح يمتدح آل الزبير و يرثى عبد اللَّه بن الزبير، و كان يسيء الرأى فيه:
بمفتضح البطحا تأول أنه* * * أقام بها ما لم ترمها الأخاشب
سرحنا سروبا آمنين و من يخف* * * بوائق ما يخشى تنبه النوائب
تبرأت من عيب ابن أسماء إنني* * * إلى اللَّه من عيب ابن أسماء تائب
هو المرء لا ترزى به أمهاته* * * و آباؤه فينا الكرام الأطايب
و قال مصعب بن عبد اللَّه الزبيري: قالت عائشة بنت طلحة لكثير عزة: ما الّذي يدعوك إلى ما تقول من الشعر في عزة و ليست على نصف من الحسن و الجمال؟ فلو قلت ذلك فىّ و في أمثالى فانا