البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٠ - وقعة دير الجماجم
ميمنة ابن الأشعث فهزمها و قتل خلقا كثيرا من القراء من أصحاب ابن الأشعث في هذا اليوم، و خر الحجاج للَّه ساجدا بعد ما كان جثى على ركبتيه و سل شيئا من سيفه و جعل يترحم على مصعب بن الزبير و يقول: ما كان أكرمه حتى صبر نفسه للقتل، و كان من جملة من قتل من أصحاب ابن الأشعث أبو الطفيل بن عامر بن وائلة الليثي، و لما فر أصحاب ابن الأشعث رجع ابن الأشعث بمن بقي معه و من تبعه من أهل البصرة، فسار حتى دخل الكوفة فعمد أهل البصرة إلى عبد الرحمن بن عياش بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب فبايعوه، فقاتل الحجاج خمس ليال أشد القتال، ثم انصرف فلحق بابن الأشعث، و تبعه طائفة من أهل البصرة، فاستناب الحجاج على البصرة أيوب بن الحكم ابن أبى عقيل، و دخل ابن الأشعث الكوفة فبايعه أهلها على خلع الحجاج و عبد الملك بن مروان، و تفاقم الأمر و كثر متابعو ابن الأشعث على ذلك، و اشتد الحال، و تفرقت الكلمة جدا و عظم الخطب، و اتسع الخرق على الراقع.
قال الواقدي: و لما التقى جيش الحجاج و جيش ابن الأشعث بالزاوية جعل جيش الحجاج يحمل عليهم مرة بعد مرة، فقال القراء و كان عليهم جبلة بن زحر-: أيها الناس ليس الفرار من أحد بأقبح منكم فقاتلوا عن دينكم و دنياكم. و قال سعيد بن جبير نحو ذلك، و قال الشعبي: قاتلوهم على جورهم و استذلالهم الضعفاء و إماتتهم الصلاة، ثم حملت القراء- و هم العلماء- على جيش الحجاج حملة صادقة فبرعوا فيهم ثم رجعوا فإذا هم بمقدمهم جبلة بن زحر صريعا، فهدمهم ذلك فناداهم جيش الحجاج يا أعداء اللَّه قد قتلنا طاغيتكم، ثم حمل سفيان بن الأبرد و هو على خيل الحجاج على ميسرة ابن الأشعث و عليها الأبرد بن مرة التميمي، فانهزموا و لم يقاتلوا كثيرا قتال، فأنكر الناس منهم ذلك، و كان أمير ميسرة ابن الأشعث الأبرد شجاعا لا يفر، و ظنوا أنه قد خامر، فنقضت الصفوف و ركب الناس بعضهم بعضا، و كان ابن الأشعث يحرض الناس على القتال، فلما رأى ما الناس فيه أخذ من اتبعه و ذهب إلى الكوفة فبايعه أهلها، ثم كانت وقعة دير الجماجم في شعبان من هذه السنة.
وقعة دير الجماجم
قال الواقدي: و ذلك أن ابن الأشعث لما قصد الكوفة خرج إليه أهلها فتلقوه و حفوا به و دخلوا بين يديه، غير أن شرذمة قليلة أرادت أن تقاتله دون مطر بن ناجية نائب الحجاج فلم يمكنهم من ذلك، فعدلوا إلى القصر، فلما وصل ابن الأشعث إلى الكوفة أمر بالسلالم فنصبت على قصر الامارة فأخذه و استنزل مطر بن ناجية و أراد قتله فقال له: استبقني فانى خير من فرسانك، فحبسه ثم استدعاه فأطلقه و بايعه و استوثق لابن الأشعث أمر الكوفة و انضم إليه من جاء من أهل البصرة، و كان ممن قدم عليه عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن عبد المطلب، و أمر بالمسالح من كل جانب، و حفظت