البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨١ - ثم دخلت سنة إحدى و تسعين
الزبير فامتدحه فلم يعطه شيئا فقال: لعن اللَّه ناقة حملتني إليك، فقال ابن الزبير: إنّ و صاحبها، يقال إنه مات في زمن الحجاج.
ثم دخلت سنة إحدى و تسعين
فيها غزا الصائفة مسلمة بن عبد الملك و ابن أخيه عبد العزيز بن الوليد، و فيها غزا مسلمة بلاد الترك حتى بلغ الباب من ناحية أذربيجان، ففتح مدائن و حصونا كثيرة أيضا، و كان الوليد قد عزل عمه محمد بن مروان عن الجزيرة و أذربيجان و ولاهما أخاه مسلمة بن عبد الملك. و فيها غزا موسى بن نصير بلاد المغرب ففتح مدنا كثيرة و دخل في تلك البلاد و ولج فيها حتى دخل أراضى غابرة قاصية فيها آثار قصور و بيوت ليس بها ساكن، و وجد هناك من آثار نعمة أهل تلك البلاد ما يلوح على سماتها أن أهلها كانوا أصحاب أموال و نعمة دارة سائغة، فبادوا جميعا فلا مخبر بها.
و فيها مهد قتيبة بن مسلم بلاد الترك الذين كانوا قد نقضوا ما كانوا عاهدوه عليه من المصالحة، و ذلك بعد قتال شديد و حرب يشيب لها الوليد، و ذلك أن ملوكهم كانوا قد اتعدوا في العام الماضي في أول الربيع أن يجتمعوا و يقاتلوا قتيبة، و أن لا يولوا عن القتال حتى يخرجوا العرب من بلادهم، فاجتمعوا اجتماعا هائلا لم يجتمعوا مثله في موقف، فكسرهم قتيبة و قتل منهم أمما كثيرة، و رد الأمور إلى ما كانت عليه، حتى ذكر أنه صلب منهم في بعض المواضع من جملة من أخذه منهم سماطين طولهما أربعة فراسخ من هاهنا و هاهنا، عن يمينه و شماله، صلب الرجل منهم بجنب الرجل، و هذا شيء كثير، و قتل في الكفار قتلا ذريعا، ثم لا يزال يتتبع نيزك خان ملك الترك الأعظم من إقليم إلى إقليم، و من كورة إلى كورة، و من رستاق إلى رستاق، و لم يزل ذلك دأبه و دأبه حتى حصره في قلعة هنالك شهرين متتابعين، حتى نفد ما عند نيزك خان من الأطعمة، و أشرف هو و من معه على الهلاك، فبعث إليه قتيبة من جاء به مستأمنا مذموما مخذولا، فسجنه عنده ثم كتب إلى الحجاج في أمره فجاء الكتاب بعد أربعين يوما بقتله، فجمع قتيبة الأمراء فاستشارهم فيه فاختلفوا عليه، فقائل يقول:
اقتله. و قائل يقول لا تقتله فقال له بعض الأمراء: إنك أعطيت اللَّه عهدا أنك إن ظفرت به لتقتلنه، و قد أمكنك اللَّه منه، فقال قتيبة: و اللَّه إن لم يبق من عمري إلا ما يسع ثلاث كلمات لقتلته، ثم قال:
اقتلوه اقتلوه اقتلوه، فقتل هو و سبعمائة من أصحابه من أمرائه في غداة واحدة، و أخذ قتيبة من أموالهم و خيولهم و ثيابهم و أبنائهم و نسائهم شيئا كثيرا، و فتح في هذا العام مدنا كثيرة، و قرر ممالك كثيرة.
و أخذ حصونا كثيرة مشحونة بالأموال و النساء، و من آنية الذهب و الفضة شيئا كثيرا، ثم سار قتيبة إلى الطالقان- و هي مدينة كبيرة و بها حصون و أقاليم- فأخذها و استعمل عليها، ثم سار إلى الفارياب و بها مدن و رساتيق، فخرج إليه ملكها سامعا مطيعا، فاستعمل عليها رجلا من أصحابه، ثم سار إلى