البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩٨ - سعيد بن جبير الأسدي الوالبي
المدينة عثمان بن حيان، و على المشرق بكماله الحجاج، و على خراسان قتيبة بن مسلم، و على الكوفة من جهة الحجاج زياد بن جرير، و على قضائها أبو بكر بن أبى موسى، و على إمرة البصرة من جهة الحجاج الجراح بن عبد اللَّه الحكمي، و على قضائها عبد اللَّه بن أذينة، و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم.
ذكر من توفى فيها من المشاهير و الأعيان
سعيد بن جبير الأسدي الوالبي
مولاهم أبو محمد، و يقال أبو عبد اللَّه، الكوفي المكيّ، من أكابر أصحاب ابن عباس، كان من أئمة الإسلام في التفسير و الفقه و أنواع العلوم، و كثرة العمل الصالح، (رحمه اللَّه)، و قد رأى خلقا من الصحابة، و روى عن جماعة منهم، و عنه خلق من التابعين، يقال إنه كان يقرأ القرآن في الصلاة فيما بين المغرب و العشاء ختمة تامة، و كان يقعد في الكعبة القعدة فيقرأ فيها الختمة، و ربما قرأها في ركعة في جوف الكعبة. و روى عنه أنه ختم القرآن مرتين و نصفا في الصلاة في ليلة في الكعبة. و قال سفيان الثوري عن عمرو بن ميمون عن أبيه قال: لقد مات سعيد بن جبير و ما على وجه الأرض أحد إلا و هو محتاج إلى علمه. و كان في جملة من خرج مع ابن الأشعث على الحجاج، فلما ظفر [الحجاج] هرب سعيد إلى أصبهان، ثم كان يتردد في كل سنة إلى مكة مرتين، مرة للعمرة و مرة للحج، و ربما دخل الكوفة في بعض الأحيان فحدث بها، و كان بخراسان لا يتحدث لأنه كان لا يسأله أحد عن شيء من العلم هناك، و كان يقول: إن مما يهمني ما عندي من العلم، وددت أن الناس أخذوه. و استمر في هذا الحال مختفيا من الحجاج قريبا من ثنتى عشرة سنة، ثم أرسله خالد القسري من مكة إلى الحجاج، و كان من مخاطبته له ما ذكرناه قريبا.
و قال أبو نعيم في كتابه الحلية: ثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق ثنا محمد بن أحمد ابن أبى خلف ثنا شعبان عن سالم بن أبى حفصة. قال: لما أتى بسعيد بن جبير إلى الحجاج قال له:
أنت الشقي بن كسير؟ قال: لا! إنما أنا سعيد بن جبير، قال لأقتلنك، قال: أنا إذا كما سمتني أمى سعيدا [قال شقيت و شقيت أمك، قال: الأمر ليس إليك. ثم قال: اضربوا عنقه، فقال:
دعوني أصلى ركعتين، قال: وجهوه إلى قبلة النصارى، قال: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ قال:
إني أستعيذ منك بما استعاذت به مريم، قال: و ما عاذت به؟ قال: قالت إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا قال سفيان: لم يقتل بعده إلا واحدا. و في رواية أنه قال له: لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى، قال: لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إلها. و في رواية أنه لما أراد قتله قال:
وجهوه إلى قبلة النصارى، فقال: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ فقال: اجلدوا به الأرض، فقال:
مِنْها خَلَقْناكُمْ وَ فِيها نُعِيدُكُمْ وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى فقال: اذبح فما أنزعه لآيات اللَّه منذ اليوم. فقال: اللَّهمّ لا تسلطه على أحد بعدي. و قد ذكر أبو نعيم هنا كلاما كثيرا في مقتل سعيد