البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩٧ - مقتل سعيد بن جبير (رحمه اللَّه)
عن رجل قال: لما قتل الحجاج سعيد بن جبير فندر رأسه هلل ثلاثا، مرة يفصح بها، و في الثنتين يقول مثل ذلك لا يفصح بها. و ذكر أبو بكر الباهلي قال: سمعت أنس بن أبى شيخ يقول: لما أتى الحجاج بسعيد بن جبير قال: لعن ابن النصرانية- يعنى خالد القسري و كان هو الّذي أرسل به من مكة- أما كنت أعرف مكانه، بلى و اللَّه و البيت الّذي هو فيه بمكة، ثم أقبل عليه فقال: يا سعيد ما أخرجك على؟ فقال: أصلح اللَّه الأمير، أنا امرؤ من المسلمين يخطئ مرة و يصيب أخرى، فطابت نفس الحجاج و انطلق وجهه، و رجا الحجاج أن يتخلص من أمره، ثم عاوده في شيء فقال سعيد: إنما كانت بيعة في عنقي، فغضب عند ذلك الحجاج فكان ما كان من قتله. و ذكر عتاب ابن بشر عن سالم الأفطس قال: أتى الحجاج بسعيد بن جبير و هو يريد الركوب و قد وضع إحدى رجليه في الغرز، فقال: و اللَّه لا أركب حتى تتبوأ مقعدك من النار، اضربوا عنقه، فضربت عنقه.
قال: و التبس الحجاج في عقله مكانه، فجعل يقول: قيودنا قيودنا، فظنوا أنه يريد القيود التي على سعيد، فقطعوا رجليه من أنصاف ساقيه و أخذوا القيود:
و قال محمد بن أبى حاتم: ثنا عبد الملك بن عبد اللَّه بن خباب، قال: جيء بسعيد بن جبير إلى الحجاج فقال: كتبت إلى مصعب بن الزبير؟ فقال: بلى كتبت إلى مصعب، قال: لا و اللَّه لأقتلنك قال: إني إذا لسعيد كما سمتني أمى. قال فقتله، فلم يلبث الحجاج بعده إلا أربعين يوما، و كان إذا نام يراه في المنام يأخذ بمجامع ثوبه و يقول: يا عدو اللَّه فيم قتلتني؟ فيقول الحجاج: ما لي و لسعيد بن جبير، ما لي و لسعيد بن جبير؟ قال ابن خلكان: كان سعيد بن جبير بن هشام الأسدي مولى بنى والبة كوفيا أحد الأعلام من التابعين، و كان أسود اللون، و كان لا يكتب على الفتيا، فلما عمى ابن عباس كتب، فغضب ابن عباس من ذلك، و ذكر مقتله كنحو ما تقدم، و ذكر أنه كان في شعبان، و أن الحجاج مات بعده في رمضان، و قيل قبل بستة أشهر. و ذكر عن الامام أحمد أنه قال: قتل سعيد بن جبير و ما على وجه الأرض أحد إلا و هو محتاج- أو قال مفتقر- إلى علمه. و يقال إن الحجاج لم يسلط بعده على أحد، و سيأتي في ترجمة الحجاج أيضا شيء من هذا. قال ابن جرير: و كان يقال لهذه السنة سنة الفقهاء، لأنه مات فيها عامة فقهاء المدينة، مات في أولها على بن الحسين بن زين العابدين، ثم عروة بن الزبير، ثم سعيد بن المسيب، و أبو بكر عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، و سعيد بن جبير من أهل مكة، و قد ذكرنا تراجم هؤلاء في كتابنا التكميل، و سنذكر طرفا صالحا هاهنا إن شاء اللَّه تعالى.
قال ابن جرير: و استقضى الوليد بن عبد الملك في هذه السنة على الشام سليمان بن صرد. و حج بالناس فيها العباس بن الوليد، و يقال مسلمة بن عبد الملك، و كان على نيابة مكة خالد القسري، و على