البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٦ - على بن الحسين
يبيعك بأكلة و أقل منها يطمع فيها ثم لا ينالها، و لا بخيلا فإنه يخذلك في ماله أحوج ما تكون إليه، و لا كذابا فإنه كالسراب يقرب منك البعيد و يباعد عنك القريب، و لا أحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، و لا قاطع رحم فإنه ملعون في كتاب اللَّه. قال تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَ أَعْمى أَبْصارَهُمْ
و كان على بن الحسين إذا دخل المسجد تخطي الناس حتى يجلس في حلقة زيد بن أسلم، فقال له نافع بن جبير بن مطعم: غفر اللَّه لك، أنت سيد الناس تأتى تخطي حلق أهل العلم و قريش حتى تجلس مع هذا العبد الأسود؟ فقال له على بن الحسين: إنما يجلس الرجل حيث ينتفع، و إن العلم يطلب حيث كان.
و قال الأعمش عن مسعود بن مالك قال قال لي على بن الحسين: أ تستطيع أن تجمع بيني و بين سعيد بن جبير؟ فقلت: ما تصنع به؟ قال أريد أسأله عن أشياء ينفعنا اللَّه بها و لا منقصة، إنه ليس عندنا ما يرمينا به هؤلاء- و أشار بيده إلى العراق-
و قال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم ثنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن زر بن عبيد [١] قال: كنت عند ابن عباس فأتى على بن الحسين فقال ابن عباس: مرحبا بالحبيب ابن الحبيب.
و قال أبو بكر بن محمد بن يحيى الصولي: ثنا العلاء ثنا إبراهيم بن بشار عن سفيان بن عيينة عن أبى الزبير قال: كنا عند جابر بن عبد اللَّه فدخل عليه على بن الحسين فقال: كنت عند رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فدخل عليه الحسين بن على فضمه إليه و قبله و أقعده إلى جنبه، ثم قال: «يولد لا بنى هذا ابن يقال له على، إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش ليقم سيد العابدين، فيقوم هو»
هذا حديث غريب جدا أورده ابن عساكر. و قال الزهري: كان أكثر مجالستي مع على بن الحسين، و ما رأيت أفقه منه، و كان قليل الحديث، و كان من أفضل أهل بيته و أحسنهم طاعة، و أحبهم إلى مروان و ابنه عبد الملك، و كان يسمى زين العابدين. و قال جويرية بن أسماء: ما أكل على بن الحسين بقرابته من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) درهما قط. (رحمه اللَّه) و رضى عنه. و قال محمد بن سعد: أنبأ على بن محمد عن سعيد بن خالد عن المقبري قال: بعث المختار إلى على بن الحسين بمائة ألف فكره أن يقبلها و خاف أن يردها، فاحتبسها عنده، فلما قتل المختار كتب إلى عبد الملك بن مروان: إن المختار بعث إلى بمائة ألف فكرهت أن أقبلها و كرهت أن أردها، فابعث من يقبضها. فكتب إليه عبد الملك: يا ابن عم! خذها فقد طيبتها لك، فقبلها.
و قال على بن الحسين: سادة الناس في الدنيا الأسخياء الأتقياء، و في الآخرة أهل الدين و أهل الفضل و العلم الأتقياء، لأن العلماء ورثة الأنبياء.
و قال أيضا: إني لأستحي من اللَّه عز و جل أن أرى الأخ من إخواني فأسأل اللَّه له الجنة و أبخل عليه بالدنيا، فإذا كان يوم القيامة
[١] لعله زر بن حبيش.