البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٢ - فصل
حملت أمرا عظيما فاضطلعت به* * * و سرت فيه بأمر اللَّه يا عمرا
الشمس كاسفة ليست بطالعة* * * تبكى عليك نجوم الليل و القمرا
و قال محارب بن دثار (رحمه اللَّه) يرثى عمر بن عبد العزيز (رحمه اللَّه تعالى):-
لو أعظم الموت خلقا أن يواقعه* * * لعدله لم يصبك الموت يا عمر
كم من شريعة عدل قد نعشت لهم* * * كادت تموت و أخرى منك تنتظر
يا لهف نفسي و لهف الواجدين معى* * * على العدول التي تغتالها الحفر
ثلاثة ما رأت عيني لهم شبها* * * تضم أعظمهم في المسجد الحفر
و أنت تتبعهم لم تأل مجتهدا* * * سقيا لها سنن بالحق تفتقر
لو كنت أملك و الأقدار غالبة* * * تأتى رواحا و تبيانا و تبتكر
صرفت عن عمر الخيرات مصرعه* * * بدير سمعان لكن يغلب القدر
قالوا: و كانت وفاته بدير سمعان من أرض حمص، يوم الخميس، و قيل الجمعة لخمس مضين، و قيل بقين من رجب، و قيل لعشر بقين منه، سنة إحدى و قيل ثنتين و مائة، و صلى عليه ابن عمه مسلمة ابن عبد الملك، و قيل صلى عليه يزيد بن عبد الملك، و قيل ابنه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، و كان عمره يوم مات تسعا و ثلاثين سنة و أشهرا، و قيل إنه جاوز الأربعين بأشهر، و قيل بسنة، و قيل بأكثر، و قيل إنه عاش ثلاثا و ستين سنة، و قيل ستا و ثلاثين، و قيل سبعا و ثلاثين، و قيل ثمانيا و ثلاثين سنة، و قيل ما بين الثلاثين إلى الأربعين و لم يبلغها. و قال أحمد عن عبد الرزاق عن معمر: مات على رأس خمس و أربعين و أربعين سنة. قال ابن عساكر: و هذا وهم، و الصحيح الأول تسعا و ثلاثين سنة و أشهرا. و كانت خلافته سنتين و خمسة أشهر و أربعة أيام، و قيل أربعة عشر يوما، و قيل سنتان و نصف.
و كان (رحمه اللَّه) أسمر دقيق الوجه حسنه نحيف الجسم حسن اللحية غائر العينين، بجبهته أثر شجة و كان قد شاب و خضب (رحمه اللَّه)، و اللَّه سبحانه أعلم.
[فصل
لما ولى عمر بن عبد العزيز الخلافة جاءه صاحب الشرطة ليسير بين يديه بالحربة على عادته مع الخلفاء قبله، فقال له عمر: ما لي و لك؟ تنح عنى، إنما أنا رجل من المسلمين. ثم سار و ساروا معه حتى دخل المسجد، فصعد المنبر و اجتمع الناس إليه فقال: أيها الناس! إني قد ابتليت بهذا الأمر عن غير رأى كان منى فيه، و لا طلبة له، و لا مشورة من المسلمين، و إني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم و لأمركم من تريدون. فصاح المسلمون صيحة واحدة: قد اخترناك