البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤٧ - فصل
لأحد منذ كان هذا الأمر. ثم نظر إلى قبيصة و أنا و هو قائمان بين يديه، فكأنه أومأ إليه أن افرض له، فقال: قد فرض إليك أمير المؤمنين، فقلت: إني و اللَّه ما خرجت من عند أهلي إلا و هم في شدة و حاجة ما يعلمها إلا اللَّه، و قد عمت الحاجة أهل البلد. قال: قد وصلك أمير المؤمنين. قال قلت:
يا أمير المؤمنين و خادم يخدمنا، فان أهلي ليس لهم خادم إلا أختى، فإنها الآن تعجن و تخبز و تطحن قال: قد أخدمك أمير المؤمنين.
و روى الأوزاعي عن الزهري أنه روى أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: «لا يزني الزاني حين يزني و هو مؤمن».
فقلت للزهري: ما هذا؟ فقال: من اللَّه العلم، و على رسوله البلاغ، و علينا التسليم، أمرّوا أحاديث رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كما جاءت. و عن ابن أخى ابن شهاب عن عمه قال: كان عمر بن الخطاب يأمر برواية قصيدة لبيد بن ربيعة التي يقول فيها:
إن تقوى ربنا خير نفل* * * و باذن اللَّه ريثي و العجل
أحمد اللَّه فلا ند له* * * بيديه الخير ما شاء فعل
من هداه سبل الخير اهتدى* * * ناعم البال و من شاء أضل
و قال الزهري: دخلت على عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة منزله فإذا هو مغتاظ ينفخ، فقلت:
ما لي أراك هكذا؟ فقال: دخلت على أميركم آنفا- يعنى عمر بن عبد العزيز- و معه عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان فسلمت عليهما فلم يردا على السلام، فقلت:
لا تعجبا أن تؤتيا فتكلما* * * فما حشى الأقوام شرا من الكبر
و مسا تراب الأرض منه خلقتما* * * و فيها المعاد و المصير إلى الحشر
فقلت: يرحمك اللَّه!! مثلك في فقهك و فضلك و سنك تقول الشعر؟! فقال: إن المصدور إذا نفث برأ. و جاء شيخ إلى الزهري فقال: حدثني، فقال: إنك لا تعرف اللغة، فقال الشيخ: لعلى أعرفها، فقال: فما تقول في قول الشاعر:
صريع ندامى يرفع الشرب رأسه* * * و قد مات منه كل عضو و مفصل؟
ما المفصل؟ قال: اللسان، قال: عد على أحدثك. و كان الزهري يتمثل كثيرا بهذا:
ذهب الشباب فلا يعود جمانا* * * و كأن ما قد كان لم يك كانا
فطويت كفى يا جمان على العصا* * * و كفى جمان بطيها حدثانا
و كان نقش خاتم الزهري: محمد يسأل اللَّه العافية. و قيل لابن أخى الزهري: هل كان عمك يتطيب؟ قال: كنت أشم ريح المسك من سوط دابة الزهري. و قال: استكثروا من شيء لا تمسه النار، قيل: و ما هو؟ قال: المعروف. و امتدحه رجل مرة فأعطاه قميصه، فقيل له: أ تعطي على كلام