البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٥ - و طاوس بن كيسان اليماني
الكعبة فإذا هو بسالم بن عبد اللَّه، فقال له: سالم؟ [١] سلني حاجة، فقال: إني لأستحي من اللَّه أن أسأل في بيته غيره، فلما خرج سالم خرج هشام في أثره فقال له: الآن قد خرجت من بيت اللَّه فسلني حاجة، فقال سالم: من حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟ قال: من حوائج الدنيا، فقال سالم: إني ما سألت الدنيا من يملكها، فكيف أسألها من لا يملكها؟ و كان سالم خشن العيش، يلبس الصوف الخشن، و كان يعالج بيده أرضاله و غيرها من الأعمال، و لا يقبل من الخلفاء، و كان متواضعا و كان شديد الأدمة و له من الزهد و الورع شيء كثير.
و طاوس بن كيسان اليماني
من أكبر أصحاب ابن عباس و قد ترجمناهم في كتابنا التكميل و للَّه الحمد انتهى و قد زدنا هنا في ترجمة سالم بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب زيادة حسنة. فأما طاوس فهو أبو عبد الرحمن طاوس بن كيسان اليماني، فهو أول طبقة أهل اليمن من التابعين، و هو من أبناء الفرس الذين أرسلهم كسرى إلى اليمن.
أدرك طاوس جماعة من الصحابة و روى عنهم، و كان أحد الأئمة الأعلام، قد جمع العبادة و الزهادة، و العلم النافع، و العمل الصالح، و قد أدرك خمسين من الصحابة، و أكثر روايته عن ابن عباس، و روى عنه خلق من التابعين و أعلامهم، منهم مجاهد و عطاء و عمرو بن دينار، و إبراهيم ابن ميسرة، و أبو الزبير و محمد بن المنكدر، و الزهري و حبيب بن أبى ثابت، و ليث بن أبى سليم، و الضحاك بن مزاحم. و عبد الملك بن ميسرة، و عبد الكريم بن المخارق و وهب بن منبه، و المغيرة ابن حكيم الصنعاني، و عبد اللَّه بن طاوس، و غير هؤلاء.
توفى طاوس بمكة حاجا، و صلى عليه الخليفة هشام بن عبد الملك، و دفن بها (رحمه اللَّه تعالى).
قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق قال قال أبى: مات طاوس بمكة فلم يصلوا عليه حتى بعث هشام ابنه بالحرس، قال فلقد رأيت عبد اللَّه بن الحسن واضعا السرير على كاهله، قال: و لقد سقطت قلنسوة كانت عليه و مزق رداؤه من خلفه- يعنى من كثرة الزحام- فكيف لا و قد
قال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): «الايمان يمان»
و قد خرج من اليمن خلق من هؤلاء المشار إليهم في هذا و غيره، منهم أبو مسلم، و أبو إدريس، و وهب و كعب و طاوس و غير هؤلاء كثير. و روى ضمرة عن ابن شوذب قال: شهدت جنازة طاوس بمكة سنة خمس و مائة، فجعلوا يقولون: رحم اللَّه أبا عبد الرحمن، حج أربعين حجة.
و قال عبد الرزاق: حدثنا أبى قال: توفى طاوس بالمزدلفة- أو بمنى- حاجا، فلما حمل أخذ عبد اللَّه بن الحسن بن على بقائمة سريره. فما زايله حتى بلغ القبر. و قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق
[١] كذا بالأصل و لعل المراد يا سالم.