البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١ - ثم دخلت سنة ثمانين من الهجرة النبويّة
سبيل الموت غاية كل حي* * * و داعيه لأهل الأرض داع
فمن لا يغتبط يسأم و يهرم* * * و تسلمه المنون إلى انقطاعي
و ما للمرء خير في حياة* * * إذا ما عد من سقط المتاعى
ذكرها صاحب الحماسة و استحسنها ابن خلكان كثيرا و فيها توفى عبيد اللَّه بن أبى بكرة (رحمه اللَّه) و هو أمير الجيش الّذي دخل بلاد الترك و قاتلوا رتبيل ملك الترك، و قد قتل من جيشه خلق كثير مع شريح بن هانئ كما تقدم ذلك، و قد دخل عبيد اللَّه بن أبى بكرة على الحجاج مرة و في يده خاتم فقال له الحجاج: و كم ختمت بخاتمك هذا؟
قال على أربعين ألف ألف دينار، قال ففيم أنفقتها؟ قال: في اصطناع المعروف، و رد الملهوف و المكافأة بالصناع و تزويج العقائل. و قيل إن عبيد اللَّه عطش يوما فأخرجت له امرأة كوز ماء بارد فأعطاها ثلاثين ألفا، و قيل إنه أهدى إليه وصيف و وصيفة و هو جالس بين أصحابه فقال لبعض أصحابه خذهما لك، ثم فكر و قال: و اللَّه إن إيثار بعض الجلساء على بعض لشح قبيح و دناءة رديئة، ثم قال يا غلام ادفع إلى كل واحد من جلسائي وصيفا و وصيفة، فأحصى ذلك فكانوا ثمانين وصيفا و وصيفة.
توفى عبيد اللَّه بن أبى بكرة ببست و قيل بذرخ و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم و أحلم، و الحمد للَّه رب العالمين
ثم دخلت سنة ثمانين من الهجرة النبويّة
ففيها كان السيل الحجاف بمكة لأنه حجف على كل شيء فذهب به، و حمل الحجاج من بطن مكة الجمال بما عليها، و الرجال و النساء لا يستطيع أحد أن ينقذهم منه، و بلغ الماء إلى الحجون، و غرق خلق كثير، و قيل إنه ارتفع حتى كاد أن يغطى البيت و اللَّه أعلم.
و حكى ابن جرير عن الواقدي أنه قال: كان بالبصرة في هذه السنة الطاعون، و المشهور أنه كان في سنة تسع و ستين كما تقدم. و فيها قطع المهلب بن أبى صفرة نهر، و أقام بكش سنتين صابرا مصابرا للاعداء من الأتراك، و جرت له معهم هناك فصول يطول ذكرها، وفد عليه في غضون هذه المدة كتاب ابن الأشعث بخلعه الحجاج، فبعثه المهلب برمته إلى الحجاج حتى قرأه ثم كان ما سيأتي بيانه و تفصيله فيما بعد من حروب ابن الأشعث، و في هذه السنة جهز الحجاج الجيوش من البصرة و الكوفة و غيرهما لقتال رتبيل ملك الترك ليقضوا منه ما كان من قتل جيش عبيد اللَّه بن أبى بكرة في السنة الماضية، فجهز أربعين ألفا من كل من المصرين عشرين ألفا، و أمر على الجميع عبد الرحمن بن محمد ابن الأشعث مع أنه كان الحجاج يبغضه جدا، حتى قال ما رأيته قط إلا هممت بقتله، و دخل ابن الأشعث يوما على الحجاج و عنده عامر الشعبي فقال انظر إلى مشيته و اللَّه لقد هممت أن أضرب عنقه، فأسرها الشعبي إلى ابن الأشعث فقال ابن الأشعث: و أنا و اللَّه لأجهدت أن أزيله عن